تموضع!
منذ قرابة أسبوعين لم أحاول إكراه نفسي على
القراءة أو الكتابة، مررت بثلاثة كتب متتالية بعناوين براقة للغاية، لكنها في
النهاية لم تكن أكثر من أفكار عادية تمت صياغتها بثقة عالية. يدهشني دائمًا كيف
يستطيع البعض منح أفكارهم هالة الاكتشاف العظيم، بينما الفارق الحقيقي أحيانًا ليس
العمق، بل الجرأة على التقديم، والثقة الكافية لإقناع الآخرين بأن ما يُقال
استثنائي.
ننضج حين نتوقف عن استنكار الأشياء. هنالك
مرحلة نصاب فيها بحمى الفضول، نستغرب كل شيء، نرفض، نستنكر، ونستهجن، ثم مع الوقت
نصل إلى قناعة مختلفة؛ أن الغريب ليس الاستثناء، بل الأصل نفسه. وأن الألفة مجرد
اعتياد طويل على غرابة مستمرة. وهذا ربما ما يجعل الحياة سلسلة لا تنتهي من الصراع
مع المعنى، ومع الذات، ومع الآخرين أيضًا.
لم أتوقف عن التأمل، ولا أظنني سأفعل، لكنني
وصلت إلى حالة من الاكتفاء المؤقت. شاهدت من الأفلام ما يكفي، وقرأت من الكتب ما
يكفي، وتحدثت بما يكفي، واستمعت كذلك بما يكفي. حتى الضجيج الفكري نفسه يفقد بريقه
حين يفيض عن حاجته.
الآن يمكنني أن أسمح لنفسي بالدهشة مجددًا، لا
بدهشة الباحث المتوتر عن معنى، بل بدهشة شخص يجلس في الكرسي الأخير في مسرح الحياة
.. ويراقب. بإمكاني الإنصات إلى حديث عامل محطة الوقود، متابعة عامل المغسلة وهو
يشرح تفاصيل يومه، الاستماع إلى محللي الأخبار والاقتصاد والأسهم، ومشاهدة ذلك
الجهد الإنساني الهائل الذي يبذله الجميع لإقناع الجميع بوجودهم، أو بأهميتهم، أو
حتى بأنهم يفهمون ما يحدث.
الحياة في الغالب ليست معقدة كما نتصورها،
لكنها أيضًا ليست بسيطة. هنالك من يريد الفعل ولا يقدر، وهنالك من يقدر لكنه لا
يريد، وهنالك من يحب الحديث، ومن يفضّل المشاهدة، ومن يجيد الاستعراض، ومن يجد
متعته في مراقبة عروض الآخرين ونقدها. وفي المنتصف دائمًا شخص ينصت أكثر مما
يتكلم، وعلى الطرف الآخر شخص قادر على الحديث جيدًا، لكنه اختار الصمت بكامل
إرادته.
العبرة في النهاية ليست في الفعل ذاته، بل في الإرادة
والوعي بالقدرة عليه.
المهم .. كتبت هذه التدوينة فقط لأتأكد أن
علاقتي بالكتابة لم تنقطع بعد .. لا أكثر.
هذا كل شيء…

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: