نخرج من بطون أمهاتنا إلى بطن الدنيا، ولم يكتمل مخاضنا بعد!

 



أطفالي يعرفون كل مهارات "النذالة" والعباطة والمحاججة، ولهم ألعابهم وقضاياهم التي تهمهم. وحدها طفلتي تلك، حينما أدخل المنزل، تنظر إلى القلم في جيب صدري مثلما ينظر إخوتها إلى الحلويات؛ وحدها التي تحب أن تراقب شكل الحبر وهو ينساب على خد الورقة الأبيض، وحدها التي تكتب وترسم بخط بديع حتى قبل أن تدخل المدرسة. أحب براءتها وبراءة نظرتها للحياة، وأشعر بشيء من القلق؛ لأن الحياة ليست بريئة على الإطلاق كما نظن!

لا أحد يتذكر متى سقط الإنسان في السذاجة، ومتى بدأ يعتقد أن الأشياء حسنة النوايا. لا أحد يعرف متى توقف الإنسان عن الاحتراس من كنه الأشياء الذي يتكشّف في لحظات المنافسة، والطمع، والقوة، والشهوة، والغيرة، والحسد. فـ"الإنسان مبتلى، ومبتلى به!"، كما يقول ابن القيم.

طيلة الفترة الماضية، كنت وما زلت أشعر ببقايا شعور غامض بالأسف، لكني لا أعرف لماذا، ولم أجرؤ على سؤال غيري عما إذا كان يشعر بذلك، ولم أصرح بهذا لقريب ولا بعيد؛ ظننته شعوراً عابراً بالكآبة، أو ناتجاً عن فقدان الطاقة الجسدية وحالة إعادة البناء التي يقوم بها جسدي بسبب التمارين أو الحمى التي عبرت بي. لكني بدأت أجري اتصالاتي لأكتشف أن في من يحيط بي من يمر بمثل ما أمر به. توجد ظاهرة، والظاهرة حقيقية، لكن لا يوجد تفسيرٌ كافٍ لها بعد.

تختمر في صدري صورة جنازة جدي قبل بضع سنين؛ كنت أقف في أعلى المقبرة، كانت الأرض خضراء، وكان الهواء يميل إلى البرودة. الأفق ضيق تحبسه الجبال، وكانت هنالك قطعان من الماعز في أعلى الجبل. كان يشيع الجنازة أقرباؤنا، وكان النعش مغطىً بمشلح أسود يستر نحافة عظام جسد الرجل الذي كان يحرس الوادي ويراقب كل شيء. كان عبقرياً، وعلى قدر رفيع من الثقافة. وكان أكثر شخص عرفته واجه ببسالة الأزمة الوجودية للإنسان في وجه الحياة التي تجيد ارتداء الأقنعة.

يلفتني شرود الآخرين بأبصارهم، ولكن لكوني صحبته كثيراً قبل أن تتدهور صحته، ولمعرفتي الجيدة بتاريخه الشخصي، كنت أعرف أنه يجتر ذكريات القوة، وبسط سلطته على الأشياء، وانصياع الحياة له. كان لديه خياط وحلاق وطباخ وسائق، وكان يقول إنه استقدمهم حتى لا ينتظر من الآخرين شيئاً! لقد حفر أغلب القبور التي لا تزال مفتوحة، ووضع في كل قبر غصناً طويلاً حتى يسهل إصلاح القبر لاحقاً؛ كان يحترم الموت حقاً، ويسخر من الحياة.

سر حبي لرواية "مائة عام من العزلة" يكمن في شخصيتين: الكولونيل، وأورسولا. الأول خاض حروباً كثيرة وخسرها كلها، وقرر أن يعتزل الحياة في معمله لصنع الأسماك المعدنية، تماماً كما كان يفعل في بداية حياته. وأورسولا، تلك التي كانت تقيم الحداد لأعوام، وتتحفي بالحياة والموت بطريقة كرنفالية. الأول اختار له ماركيز طريقة هادئة للخروج من حياة صاخبة، والثانية اختار لها طريقة أكثر هدوءاً؛ ماتت مثل طفلة بعد أن تقلص جسدها ووضع في مهد طفل رضيع، لا أحد يعرف تاريخها، لكنها كانت كل التاريخ.

ثمة آخر أعرفه كان في القرية، بنى ديواناً لاستقبال الضيوف، وضع فيه مكتبته الخاصة، وكل الدروع والأوسمة وشهادات الشكر والتقدير التي حاز عليها في حياته، لكنه في لحظة صلف قرر الرحيل عن القرية قبل أن تباغته أحداث مأساوية، وبقيت تلك الشهادات والدروع شاهدة على فكرة أن الحياة تخادع الأشخاص الأكثر براءة.

الإنسان كائن حر، لكنه يستعبد نفسه بمحاولة السعي لتملّك الأشياء وحبها أيضاً. يمكن للحياة أن تُعاش بسهولة حينما نختار ألا نمارس هوانا من أجل امتلاك الآخرين. لا قيمة للشيء إن كان موجهاً نحو الآخر فحسب، لا قيمة للأدب إن صيغ على نحو التخصيص لأجل إرضاء الآخرين، لا قيمة لكل الملكات والهبات والحيازات إن كانت كذلك.

"كُل ما يعجبك.. وألبس ما يعجب الناس"

"فكر كما تحب.. وتصرف مثل الآخرين"

"الذكي من يجيد تفصيل الحجج على قدر البراهين"

كلها حكم تسعى للموازنة بين ما نريد وبين الواقع، بطريقة لا تجعل الإنسان يدخل في ربكة وجودية تصادمه مع الواقع والآخرين.

عن الشعور بالأسف، لعله فرط إدراك للواقع؛ فالإنسان كائن يتفاعل مع الأشياء، ويلتقط تفاعلات الآخرين. لا أنسى الفيلسوف العبقري الذي قال: "يجب أن نبدأ بالاحتراس حينما نرى النوابغ مرتابين!" ، فكيف إذا كانت الحياة ككل مرتابة ومريبة؟ المحتوى المرتبك الذي نشاهده، السلوك الغريب الذي يمارسه الآخرون حتى يثبتوا وجودهم، ربكة العالم وتناقضه، كل الأشياء ونقائضها التي نراها من حولنا أشياء تجعل الإنسان يفقد قدر كبير من طاقته حينما يحاول استيعابها وفهمها.

قرأت مرة نصاً غريباً يزعم أن الإنسان يقضي عمره وهو يعيد تمثيل لحظة خلقه الأولى؛ فالأشهر الثلاثة التي تلي يوم ميلاده تكون الأكثر اضطراباً، كأن شيئاً من فوضى الخروج إلى العالم لا يزال عالقاً فيه، ثم تهدأ الحياة قليلاً، ثم تعود إلى ارتباكها مرة أخرى قبل أن تستقر من جديد. لا أعرف مدى صحة هذا الكلام، لكنني أعرف أن فيه شيئاً يذكّرني بالحياة نفسها.

كان شكسبير يرى العالم مسرحاً كبيراً، ويرى الإنسان ممثلاً يبدل أدواره وأقنعته كلما تقدم به العمر. ولعل أجمل ما في الفكرة أنها لا تتحدث عن التقدم بقدر ما تتحدث عن التحول النفسي الذي تحمله لنا التبدلات والأقنعة التي نعتمرها.

ثمة فكرة تقول إن العمر لا يمضي في خط مستقيم كما نتخيل، بل في دوائر؛ كل سبع سنوات دائرة كاملة، وكل دائرة تحمل قوانينها الخاصة. السنوات الثلاث الأولى هي سنوات تعلّم وخبط عشواء، يجرّب فيها الإنسان الأبواب كلها ويصطدم بالجدران كلها تقريباً. ثم تأتي السنة الرابعة لتبدو كهدنة قصيرة، كأن الحياة تمنح المرء فرصة ليلتقط أنفاسه ويرى الطريق الذي سلكه. بعد ذلك تعود الأسئلة مرة أخرى، وتبدأ الأرض بالتحرك تحت القدمين استعداداً لدائرة جديدة.

ربما لهذا السبب يبدو الماضي غريباً حين ننظر إليه؛ فالشخص الذي كنته في السابعة ليس هو الشخص الذي كنته في الرابعة عشرة، ولا ذاك الذي بلغ الحادية والعشرين، ولا ذاك الذي يظن اليوم أنه فهم شيئاً من العالم. في كل سبع سنوات يموت تفسير قديم للحياة، ويولد تفسير آخر.

لا أحد يعبر الحياة كما دخلها... نخرج من بطون أمهاتنا إلى بطن الدنيا، ويبدو أن مخاضنا لا يكتمل أبداً. نمضي من ولادة إلى ولادة، ومن نسخة إلى نسخة، حتى نظن أننا وصلنا، ثم نكتشف أننا كنا نقف فقط على عتبة دورة أخرى.

 

هذا كل شيء...



- لعلي لاحقاً أعيد تحرير النص، أنا في غاية الإنشغال وأكتب ركضاً.


تعليقات

إرسال تعليق

التعليق:

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!

طُرُقٌ سارت بي… لربما سِرتُ بها