لا تلومّن إلا نفسك حينما لا تنتبه لما أنت منتبهًا له!
هل نعيش
في عالم منهار السياق؟ وهل نشهد حالة مفرطة من التطبيع مع السموم الفكرية
والمنطقية والعاطفية؟
لن أحكم،
ولن أحاكم العالم، ولكن سأساعدك لتحكم بنفسك.
قرأت
توصية ذات مرة عن فيلم. كان الشخص الذي يتحدث عنه موثوقًا بالنسبة لي وأثق في
رجاحة عقله، لكن ما إن شرعت في مشاهدة الفيلم حتى لعنت الساعة التي قبلت فيها ذلك
الرأي على نحو أعمى. الفيلم لم يكشف لي فحسب سوء السياق الأخلاقي الذي وصل إليه
العالم بقدر ما كشف لي نفسي، لعل الفلم كان يناسب سياقه النفسي وكان يتقبّله، لكن
النصف ساعة التي شاهدتها منه جعلتني في حالة نفور من الشاشة لازمتني بضعة أيام.
ما الذي
يجعلنا نشعر أن شيئًا ما مألوف، جميل، مريح، أو جدير بالثقة قبل أن نحاكمه؟
وما هي
فكرة اليُسر الإدراكي التي تجعل العقل أكثر استعدادًا لقبول ما يسهل عليه معالجته؟
لربما
تخادعنا عقولنا لنمر بظاهرة "سبق الرؤية" مثلًا، أو تجعلنا نثق في
الأشياء على نحو أعمى، كما فعلت أنا، أو حتى تجعلنا نشعر بالراحة في موقف غير
مريح.
يمكن أن
نتخيل الأمر كأنه باب خلفي للإدراك: مدخل لا تحرسه اليقظة، لأن اليقظة نفسها
مستهلكة في مكان آخر. الفيلم الجميل، والوجه المألوف، والإيقاع المريح، والصوت
الذي اعتدناه، كلها أشياء يمكن أن تسلبنا وعينا وإدراكنا الأشياء التي تسللت
إلينا.
نسمع
ونعرف بمصطلحي الوعي واللاوعي، ونعرف أنهما يعملان معًا. اللاوعي يعمل باستمرار،
يهضم الأشياء مثل مفرمة تفرم الحديد والقمامة واللحوم، وأي شيء يمكن أن تُغذّى به.
لا يميز، يهضم فقط ويحاول الاستخلاص. وما لا يكتمل هضمه يعاد تحفيزه على شكل أفكار
وعواطف وانفعالات معاد إرسالها إلى الوعي على شكل تنبيهات ومقترحات، وأفكار حسية،
ونوايا ومشاعر.
المشكلة
ليست هنا؛ المشكلة هي أن ما يقبله الوعي من أفكار مرسلة من الأعماق يصير إلى
معتقدات، والمعتقد يتحول إلى فكرة، والفكرة، بطريقة أو بأخرى، يمكن أن تتحول إلى
سلوك وأفعال.
أول
القبول هو الانتباه. ما دمت لم تحاكم انتباهك وتصدر حكمك عليه، سيهبط إلى المفرمة
المذكورة سلفًا، وستعود إليك الأشياء بالطريقة نفسها: انطباعًا، أو إحساسًا، أو
نية، أو شعورًا يبحث عن قرائن وقصة حتى يتم تثبيته بالدليل والشاهد، فيصبح لديك
معتقد جاهز للتنفيذ يمكنه مقاومة أي تناقض أو اعتراض، وفي كل مرة يرتبك فيها الوعي
يعيد تذكر الحقائق والقصص والقرائن ويحاول اختلاق المبررات لفك اشتباك التعارضات
في القرائن الحجاجية للمعتقد.
المشكلة
ليست الانتباه وحده، بل في الحاجة المتفجرة فينا لامتلاك الوعي، وإدراك الأشياء،
نحن مصممون لأن نعلن لأنفسنا دائمًا قراراتنا وأحكامنا تجاه الأشياء!
نحن لا نُخدع
لأن الآخرين ماكرون فقط، بل لأننا نريد أحيانًا أن نُخدع، نريد أن نرتاح من تعب
المراقبة المستمرة للانتباه. نريد أن نصدق أن الجمال جميل، وأن المشهور يستحق، وأن
ما يريحنا صادق. اليسر الإدراكي ليس مجرد فخ يُنصب لنا، بل هو أيضًا ملاذ نهرب
إليه من عبء الحكم المستمر. الحكم متعب، والتشكيك مرهق، ومراجعة ما نحب وما نكره
أكثر إرهاقًا.
لهذا لا
تأتي السموم دائمًا في هيئة قبيحة. ربما تأتيك في فيلم جميل، أو في جملة ذكية، أو
في أغنية آسرة، أو على لسان شخص تحبه وتثق به. لا تحتاج الفكرة إلى أن تكون مقبولة
في ذاتها؛ يكفي أحيانًا أن تأتي في قالب يجعل مقاومتها مكلفة، وقبولها مريحًا.
إذا لم
تعارض نفسك ستستبدّ بك. ستتقبل الفكرة لأنها ترسخت. وإذا لم تعدّل مصفوفة
الموافقات في داخلك، فلن تصحح الانحيازات والانحرافات في نظام تشغيلك. العقل، كما
يُقال "العقل جزئي ومنحاز!" ستفكر على نحو مستمر بالطريقة التي تشبع
حاجاتك، وستنحاز لها. سترى الأمور من منظور لا يميز إلا لونين: استجلاب اللذة ودفع
الألم.
وهنا
تبدأ عملية التطبيع مع أشياء قد تبدو مرفوضة على نحو حدسي، لكنك تتطبع معها على
مضض وتقبل الانتباه لها لأنها أتت محمولة في قالب مقبول بالنسبة لك. التطبيع ليس
حدثًا يقع عليك مرة واحدة، بل عملية بطيئة، لطيفة، مريحة. لا تُسمّم مرة واحدة، بل
تُحقن جرعات صغيرة في قوالب مقبولة: مشهد في فيلم، جملة في أغنية، إيماءة في
مقابلة، شخصية محبوبة، رأي يتكرر حتى يفقد غرابته. وفي كل مرة، يتعلم العقل أن هذا
النوع من الغذاء صالح للهضم. ثم يأتي اليوم الذي تجد فيه نفسك تقبل ما كنت ترفضه،
ولا تتذكر متى تغيّرت. لأنك لم تتغير في لحظة، بل تسللت التغييرات إليك عبر
الانتباه غير المحروس.
بالعودة
إلى الفيلم والشخص الذي أوصى به، وبوستر الفيلم وأبطاله: كل ما في العالم مصمم لاستجلاب
اهتمامك الثمين. الجميع يريدك أن تنتبه له، ثم يصبح مسعاه أن يأخذ ببصرك وفكرتك
حتى تنظر نحو جهة أخرى تخالف إرادتك، وتشعر أنك أنت من أراد ذلك، وأنك من تلقاء
ذاتك اخترت النظر إلى ذلك الجانب.
الوجوه
المألوفة، والفنانون المشهورون، والنصوص المقفاة، والخلفية الموسيقية… إلخ، أشياء
لا يمكن حصرها، يمكن أن تكون محفزات للدخول في حالة اليُسر الإدراكي.
قصارى
القول: يقول أحدهم "لا توجد ظواهر أخلاقية، وإنما يوجد تأويل أخلاقي
للظواهر!"، وحكم في أخرى بأن "التأويل وظيفة الأقوى." ولعل المشكلة
ليست فقط في أن الأقوى يستطيع أن يفرض تأويله، بل في أننا قد نتنازل له عن حقنا في
التأويل قبل أن نشعر بذلك لأننا اخترنا قبول نفوذه ووجاهته ودخل مع باب لا نحرسه
وسبق أن سلمنا مفاتيحه لانتباه موثوق المصدر.
إذا لم
تحاكم انتباهك، ستحاكمك الأفكار التي التقطتها نيابةً عنك. وهنا تصبح المسألة أكبر
من فيلم أو أغنية أو كتاب أو شخص.
قد تسأل
نفسك الآن: كيف أحرس انتباهي في عالم صُمم بالكامل لسرقته؟
لا توجد
إجابة نهائية. لكن ربما تبدأ من الاعتراف بأن الانتباه مسؤولية، وأن كل ما تسمح له
بالدخول يترك أثرًا، وأن بعض الآثار لا تُرى إلا بعد أن صارت سلوكًا، وبعض السلوك
لا يُرى إلا بعد أن صار معتقدًا، وبعض المعتقد لا يُرى إلا بعد أن يصير جزءًا من
تصوراتك عن العالم. السيادة ليست في رفض كل شيء، بل في ألا تُقبل الأشياء نيابةً
عنك.
أنت، في
النهاية، من يفتح الباب أو يغلقه. حتى لو كان المفتاح جميلًا، وحتى لو كان القالب
نظيفًا، وحتى لو كان الصوت مألوفًا والطارق يكرر زيارته.
هذا كل
شيء …

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: