اقرأ ما شئت، لكن إياك أن تتوهم أنك عالِم!


 

لا أستطيع أن أخفي حنقي حين أرى إنسانًا، مهما بلغت درجته العلمية أو سعة اطلاعه، يجادل عالمًا على سبيل العبث، لا طلبًا للحقيقة ولا رغبةً في الفهم، وإنما للجدل ولفت الانتباه وإثبات الذات. التأدب مع العالم ليس ترفًا اجتماعيًا، بل قيمة معرفية وأدبية، وواجب على الفرد والمجتمع أن يقوما به للعلم وأهله. مع التأكيد على أنّ احترام العالم لا يعني تقديسه، ولا أن يؤخذ كلامه كله بلا نقد أو مراجعة. فالعالِم، مهما بلغ من الحصافة والعلم، بشر يعتريه الخطأ والنقص، وإطلاقًا لا يبلغ أحدًا من العلم مبلغًا يعصمه من الزلل.

دور المثقف والباحث ليس في منازعة العالم مقامه، وإنما أن يحاوره بأدب، وأن يتلطّف بالسؤال الذي يفتح بابًا لإتاحة المزيد من التوضيح والبيان، كما يساعده على تحرير عبارته وتدقيقها وتلطيف ما التبس منها، حتى يبلغ الرأي صورته اللائقة به، الأقرب إلى الفهم والقبول.

لن ترتقي أمة لا تعرف للعلماء مقامهم. مما يسترعي التقدير أن يكون الإنسان مثقفًا وباحثًا وقارئًا وكاتبًا، لكن بين سعة الثقافة وامتلاك أدوات الاختصاص بون واسع. فليس كل من قرأ في مسألة قد ملك أدوات نقدها، وليس كل من أحسن السؤال قد قدر على تفكيك الأصول التي يقوم عليها الجواب.

حامل الدرجة العلمية لم ينلها لأنه قرأ أكثر من غيره، فقد تجد مثقفًا أكثر اطلاعًا من أستاذ، لكنّ الفرق هو في أنّ الأخير سلك مسارًا طويلًا من التكوين المنهجي والتدريب؛ تعلّم كيف يسأل "لماذا؟"، وكيف يتتبع الأصول ويفحص الأدلة، ويميّز بين الفرضية والنتيجة، وكيف يناقش ويُناقش، ويراجع ويُصحَّح، ويطّلع بمنهجية علمية على نتاج من سبقه، ويتعامل مع أبحاث ومصادر وبيانات لا تتاح للقارئ العام، ثم يعرض ما توصّل إليه وفق قواعد ومناهج يستطيع أهل الاختصاص فحصها ونقدها ويستطيع مُتلقيها المناسبين فهمه واستيعابه والوعي به.

هذا لا يعني أن الدرجة العلمية تمنح صاحبها احتكار الحقيقة. فالحق لا يُعرف بالألقاب، والعالِم قد يخطئ، وقد يأتي من هو دونه في الدرجة الأكاديمية فينبّهه إلى خطأ أو يفتح له بابًا لم يلتفت إليه. لكن النقد شيء، والمشاجرة والوقاحة شيء آخر؛ والسؤال شيء، والتصدّر للتصدي للحكم في مسألة لم تُدرس أدواتها شيء آخر. حامل الدكتوراه لا يستحق الاحترام لمجرد حروف تسبق اسمه، وإنما لما وراء الحروف من تكوين ومنهج وممارسة طويلة في البحث والنقد والتحقق. وكلما اتسعت خبرته في مجاله، ازدادت أهليته للخوض في تفاصيله ومراجعة أسسه وبناء الفرضيات ونقدها واختبارها.

المؤسف أن يأتي شخص، مهما بلغت ثقافته، فيساجل المتخصص في دقائق علمه لأنه قرأ بعض الكتب أو شاهد بعض المحاضرات، ثم يتخذ من جهله بأصول المسألة ذريعةً للطعن في أهلها واراءهم، فذلك ليس نقدًا، بل اجتراء على العلم وإرباك للمشهد المعرفي. الثقافة الواسعة قيمة عظيمة إن أُحسن استخدامها، لكنها لا تغني عن التخصص. والاطلاع والبحث الذاتي لا يساويان الخبرة المنهجية، والقدرة على الكلام والجدل لا تساوي القدرة على البرهنة حتى ولو كان الانتصار فيه لافتًا واستطاع اجتذاب السواد الأعظم من الناس. فمن أكبر أوهام عصرنا أن وفرة المعلومات جعلت الإنسان يظن في نفسه الأهلية للحكم على كل ما يريد الحكم عليه.

هنالك مسائل علمية وفلسفية وثقافية بالغة التعقيد، لا تصلح أن تتحول إلى سجال عام مبتور عن سياقها وأدواتها؛ لا لأن الناس ممنوعون من التفكير فيها، وإنما لأن بعض القضايا تحتاج إلى قدر من التكوين قبل أن يصير النقاش فيها منتجًا. وفي الفلسفة مثلًا أفكار وجودية مربكة، قد يشوّهها اقتطاعها من سياقها، ويُحدث اضطرابًا فكريًا لا علاقة له بجوهرها.

ومع ذلك، لا يُنّزه العلماء والأكاديميين، ولا يمنحون عصمة لا يملكونها. فنقدهم ومراجعتهم ضرورة، والنقاش العلمي معهم نافع وصحي، لأنه يمنع المكانة العلمية من أن تتحول إلى سلطة مطلقة على عقول الآخرين، ويدفع النقاش بالعالِم إلى مراجعة أدواته وأفكاره. فالمعرفة لا تنمو في بيئة تقبل كل شيء، وإنما في بيئة السؤال والنقد والاختبار.

لكن للنقد أدب، وللسؤال فنون، وللاعتراض أدوات. ليس المطلوب أن نصمت أمام العالِم، بل أن نعرف كيف نخاطبه. وليس المطلوب أن نجامل الأكاديمي، بل أن نعرف ما الذي يجعل اعتراضنا وجيهًا، لا مجرد رغبة في الانتصار والتصدّر.

المشكلة القائمة ليست في أن يُسأل العالم "لماذا؟"، بل في أن يُسأل ثم يُرفض كل جواب لا يوافق تصور السائل. وفي فرط الاعتراضات على أراءه، دون أن يعرف المُعترض على ماذا يعترض وفي كثرة مخالفة العلماء والتقليل والانتقاص منهم وفيمن يرى في نفسه يتعادل تلقائيًا لمجرد سعة الاطلاع مع سنوات العالِم التي قضاها في دراسة التخصص والبحث والتجربة فيه.

قصارى القول: التأدب مع العلماء واجب، واحترام العلم وأهله حق لهم وحق للمجتمع. فالأمم لا ترتقي حين يتساوى الناس في الادعاء، وإنما حين يعرف كل إنسان موضعه وواجبه، ويؤدي دوره، ويعرف متى يسأل، ومتى يعترض، ومتى يقول: "لا أعلم" ومتى يرعي سمعه وبصره لصاحب التخصص.

ليست دعوة إلى مجاملة الأكاديميين ولا للخضوع لهم ولكن إلى احترامهم كما يليق بهم، كما أنها ليست دعوة إلى قمع المثقفين والباحثين، ولا إلى إغلاق باب النقد في وجه أحد. المسألة في غاية البساطة: يجب أن يعرف كل شخص مكانه ومكانته؛ فيُعطى العالِم حقه من الاحترام دون عصمة، ويُعطى المثقف حقه في السؤال والحصول على الجواب الذي يشفي غليله ويليق بعقله.

يجب أن نتفق على أن احترام العالِم ليس انتقاصًا من المثقف، كما أن نقد العالم ليس إسقاطًا لمقامه. أن يعرف كل واحد حدود معرفته، ويعرف للمعرفة أهلها، ويعترف لهم بما لهم منها، ويطلب الحقيقة قبل أن يطلب الانتصار لرأيه؛ دون بطرٍ لحق العالم في الاعتراف بمقامه وعلمه، ودون غمطٍ لثقافة الباقين.

هذا كل شيء …

تعليقات

إرسال تعليق

التعليق:

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

كل شيء ممكن... لكن ليس كما تتوقع!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

انكشاف الفراغ: نيتشه وإرادة القوة وسؤال المعنى!