المشاركات

هل الأمر يستحق؟

صورة
  مؤخرًا انشغلتُ بحضور الأعراس والاستجابة للدعوات، وفي الوقت ذاته كنتُ أراقب الأشياء من حولي من طرفٍ خفيّ. لا أحب أن أُعلن أحكامي ما دام الأمر لا يتجاوز حدودي، وأستمتع حقًا بمراقبة الطريقة التي تسير بها الحياة. لم أكن هكذا حتى قبل قرابة العامين، حين تعرّفت على أنماط المواهب البشرية، فبتُّ أتقبّل ذاتي والآخرين بسماحية أكبر. صحيح أن ذلك لم يُلغِ الحسّ الحانق والناقد الذي يلازمني، لكنني، وعلى نحوٍ أفضل، صرت أفهم الآخرين وأتقبّل دوافع سلوكهم اللاواعية. عند مستوى الدوافع، لا أجد في الآخرين ما يستحق الانتباه من مشكلات. لكن هنالك هوّة تتسع بين الواقع والمألوف، هوّة تستحق التوقف عندها. هنالك حالة قسرية يمارسها الأفراد على ذواتهم للتعريف بها، ولفرضها، بل ولتصوّرها ومعرفتها. هنالك شذوذ غريب في طريقة تقديم الناس لأنفسهم، ولو نظرتَ إلى داخلك، لوجدتَ فيك هذه النزعة المريبة والمتناقضة لتقديم الذات. سابقًا كانت الجدارة تتحدث عن نفسها، وكانت الملكات والهبات الشخصية تُثبت ذاتها في المواقف. أما الآن فالجميع يحاول أن يُثبت لنفسه ما ليس لديه. وحتى حين يملك الإنسان شيئًا ما، فإنه يقدّمه بطريقة ...

عن الكتابة والكُتب والكُتّاب.. وأشياء أخرى أيضًا!

صورة
  إن كنت تكتب، فهذا أمر جيد للغاية، وإن كنت لا تكتب فهذا أمر في غاية الجودة. لا توجد هنالك كفّة راجحة لأفضلية من يقف عليها. الكاتب كائن متجاوز لوجوده، والقارئ كائن يختبر تجربة وجوده أكثر من مرة! أيًا كان شكل الكتابة، فهي عمل متجاوز وجميل وبديع، لكن الكاتب ليس كل شيء، وليس مبدعًا أصيلًا على نحو مطلق لما يكتب، هو أشبه بالحائك الذي ينسج الكثير من الأفكار والاقتباسات حتى تكون في بوتقة واحدة، ستكون لاحقًا نصَّه، والذي سيمتلك كل حرف فيه روحه التي تخصه ما إن يخرج من بديهة الكاتب نحو الوجود. قد يتمرد النص على صاحبه ويمتلك سطوته التي تخصه، ويتقاطع مع القارئ، ويحتمل من التفسيرات ما لم يعنيه الكاتب، وقد يبقى لصيقًا به، ويمتلك الكاتب وحده سلطة تفسيره وتبريره وشرحه وتعليله. هنالك كُتّاب يملكون من السطوة ما يجعلهم مؤثرين في أفكار القراء، وهنالك من الكتابات ما يؤثر في الكُتّاب. العوالم تتكشف أمام الكاتب أثناء فعل الكتابة، وسيسبر الكاتب دهاليز عوالم لم يكن يعرف عنها شيئًا قبل أن يبدأ بنظم الكلمات الأولى التي يفتتح بها عمله الكتابي! المفارقة العجيبة أن الإنسان لا يتعلم أثناء القراءة، بل يتع...

هل نعرف أنفسنا حقًا؟

صورة
  متوعكٌ مؤخرًا على نحوٍ مزعج. صبرت على ألمي أكثر من شهر، لكنني قررت أخيرًا أن أزور الطبيب. لم يحمل التشخيص مفاجآت تُذكر، ومع ذلك قررت أن أساير الأمر حتى آخره. يغلب على ظني أنني أفرطت في الإجهاد حتى امتد أثره إلى معدتي، وهذا أكثر تفسير أقتنع به حتى الآن. خرجت من المشفى، وتوجهت إلى الهايبر مول لأشتري بعض احتياجات المنزل. هناك لفتت انتباهي سيدة ليست بالصغيرة ولا بالكبيرة في السن، كانت تنتظر زوجها حتى ينتهي من دفع الحساب، وما إن عاد حتى أمسكت بيده وسارت إلى جواره، كأنها تخشى أن يفلت منها. بدا عليها قدرٌ كبير من الطمأنينة والرضا. لم يكن المشهد استثنائيًا، لكنه ظل يرافقني بقية اليوم. ليس لأنني أعرف شيئًا عن حياتها، ولا لأنني أتصور أنها تعيش حياة مثالية، بل لأن هذا المشهد البسيط أيقظ سؤالًا قديمًا: لماذا يبدو بعض الناس أكثر انسجامًا مع حياتهم، بينما يقضي الآخرون سنوات طويلة يحاولون فهم ما الذي يريدونه أصلًا؟ لكن السؤال الذي بقي عالقًا في ذهني كان أبسط من ذلك كله: هل نعرف أنفسنا حقًا؟ هل تتذكر أحلام طفولتك؟ هل تتذكر ما كنت تتوق إلى امتلاكه، وما كنت تُلحّ في طلبه؟ وهل تتذكر أنك كنت...

لا جديد تحت الشمس!

صورة
  فقدان الإحساس بالزمن أحد أبرز دلالات الاضطرابات الذهانية، لكن هذه الفكرة تحتاج إلى مراجعة في هذا العصر. فاليوم توجد آلاف الأشياء المصممة خصيصًا لسرقة انتباهنا من أنفسنا، وربما تكفي مؤشرات استخدام الهاتف، أو حتى عدد ساعات القيادة، لتبرهن على ذلك. كلفة غياب إدراك مرور الوقت ليست ضياع الوقت فحسب، بل غياب الوعي بالذات أيضًا. وما أبعد من يظن أنه يملك زمام السيطرة على الأشياء من أن يكون فعلًا كذلك. زحام الطرق يسلب شيئًا منك، واستخدام الهاتف يفعل الأمر نفسه، وحتى التجول طويلًا في السوق بحثًا عن متجر بعينه. في النهاية قد تختار شيئًا لا تحبه لأنك متعب، أو تدفع سعرًا لا يعجبك لأنك لا تريد أن تعيد الجولة من جديد. ستفعل أشياء لا تجزم أنها تشبهك فعلًا، ولا تعرف على وجه الدقة لماذا فعلتها، ولا أظنك ستعرف يومًا. في كتاب "الاعترافات" ينسب تولستوي عبارة "لا جديد تحت الشمس" إلى النبي سليمان. ولست متأكدًا من صحة النسبة، لكن الفكرة نفسها تبدو متسقة مع صورة الرجل كما ترد في الروايات؛ فقد أوتي من أسباب الملك والعلم ما جعل أخبار الدنيا تأتيه من كل صوب. لم يكن يعلم الغيب، لكنه كان يع...

كل شيء ممكن... لكن ليس كما تتوقع!

صورة
  أملك طبعًا متأملًا؛ يستحيل أن يمر بي شيء دون أن أستوفي داخلي أفكاري وخيالاتي عنه. أصنع تصورات، ثم أُطلق أحكامي غير المعلنة على الأشياء... وأمضي، أو على الأقل أحاول. هناك أشياء في الحياة تُفهم لكن لا توجد استعارة تكفي لوصفها. أو لعلني لم أعثر بعد على الاستعارة المناسبة، وإلا فمن المؤكد أن ثمة من هو أذكى مني، وقد أدرك الأمر على نحو أعمق، وكانت كُلفة التجربة عنده أكبر. كنت أردد دائمًا: "إذا وجدت مقادير طبخة حياتك، فلا تغيّرها." ثم وقفت، بعد سنوات، على أثرٍ أورده السيوطي رحمه الله في «الدرر المنتثرة»، ومعناه: "من بورك له في شيء فليلزمه." عندها شعرت أنني كنت أبحث عن هذا المعنى منذ زمن، دون أن أعرف اسمه. فالبركة لا تكون في الأشياء الكبيرة وحدها؛ قد تكون في رفقة، أو عادة صغيرة، أو في أسلوب خاص في عيش الحياة. وإذا وجدت شيئًا يورثك السكينة ويستقيم معه أمرك، فلا تفرط فيه طمعًا في صورةٍ تتخيل أنها أفضل. غير أن لزوم البركة لا يعني عبادة المألوف، كما أن التغيير ليس فضيلةً في ذاته. فالحياة لا تكافئ القفزات بقدر ما تكافئ التدرج. وما يستحق أن يتغير، فليتغير ببطء، حتى لا تخس...

فهمك ليس شرطًا لوجود المعنى!

صورة
  كثيرون هم حولنا، منخرطون في الحياة، حينما تنظر إليهم تظنهم بلا الآلام ولا أحلام ، ولا يسألون عن شيء. وحين نسألهم عن أنفسهم، يبتسمون ويقولون: الحمد لله. يعنون شيئًا آخر تمامًا، شيئًا لا اسم له بالضبط، وهو أن الحياة تجري وهم يجرون معها دون أن يطالبون بالتفسيرات ، لا يجزعون على فات، ولا يهلعون على ماهو قادم! في حين أن من يملك وقتًا أكثر، ومعلومات أكثر، وخيارات أكثر يضيع الكثير من عمره يطالب الحياة بما لم تَعِده به أصلًا: فهم سر تأخر الأشياء، وسر حضورها، وأسرار كل الأشياء التي لم يفهمها. في قصة الخضر شيءٌ يُزعج العقل ولا يُريحه: أن الحكمة موجودة حتى حين لا تُرى. السفينة خُرقت لتُنجى. الغلام أُخذ لتظل الأسرة. الجدار أُقيم لأطفال لن يعرفوا أن أحدًا أقامه. ثلاثة أحداث، ثلاثة أوجه للحكمة؛ واحدة تتكشف بعد حين، وأخرى تستوجب الرضا دون أن يرى صاحبها ما كسب، وثالثة لن يعلمها من وقعت عليه أبدًا. وكأن القصة تقول ببساطة مزعجة: فهمك ليس شرطًا لوجود المعنى . بعد إزالة كل طبقات الغموض التي تحيط بالقلق، نجد أربعة أفكار قديمة تحضر دائماً عند الإنسان منذ آلاف السنين: الموت، والفراغ، والحرية، وا...

نخرج من بطون أمهاتنا إلى بطن الدنيا، ولم يكتمل مخاضنا بعد!

صورة
  أطفالي يعرفون كل مهارات "النذالة" والعباطة والمحاججة، ولهم ألعابهم وقضاياهم التي تهمهم. وحدها طفلتي تلك، حينما أدخل المنزل، تنظر إلى القلم في جيب صدري مثلما ينظر إخوتها إلى الحلويات؛ وحدها التي تحب أن تراقب شكل الحبر وهو ينساب على خد الورقة الأبيض، وحدها التي تكتب وترسم بخط بديع حتى قبل أن تدخل المدرسة. أحب براءتها وبراءة نظرتها للحياة، وأشعر بشيء من القلق؛ لأن الحياة ليست بريئة على الإطلاق كما نظن! لا أحد يتذكر متى سقط الإنسان في السذاجة، ومتى بدأ يعتقد أن الأشياء حسنة النوايا. لا أحد يعرف متى توقف الإنسان عن الاحتراس من كنه الأشياء الذي يتكشّف في لحظات المنافسة، والطمع، والقوة، والشهوة، والغيرة، والحسد. فـ "الإنسان مبتلى، ومبتلى به!"، كما يقول ابن القيم. طيلة الفترة الماضية، كنت وما زلت أشعر ببقايا شعور غامض بالأسف، لكني لا أعرف لماذا، ولم أجرؤ على سؤال غيري عما إذا كان يشعر بذلك، ولم أصرح بهذا لقريب ولا بعيد؛ ظننته شعوراً عابراً بالكآبة، أو ناتجاً عن فقدان الطاقة الجسدية وحالة إعادة البناء التي يقوم بها جسدي بسبب التمارين أو الحمى التي عبرت بي. لكني بدأت أج...