لم يكتب بورخيس رواية قط، ومع ذلك تحكم سطوته عوالمها!
إن كنت
لا تعرف خورخي لويس بورخيس، فلا بد أنه مرّ بك على نحو ما، عنوانٌ من عناوينه، أو
خبرٌ عنه، أو أثرٌ له في عمل من الأعمال التي كُتبت في القرن العشرين. الرجل لم
يؤلف رواية واحدة، وانشغل بالشعر والقصص القصيرة، وأتقن نحو ست لغات، وكانت
قراءاته واسعة إلى حدٍّ بعيد.
اتسمت
حياته بالحزن، ولعل هذا ما أسهم في نجاحه شاعرًا، فكما أحب أن أقتبس، الشاعر شخص
لا يخجل من معاناته. وحياة بورخيس كانت مليئة بها، فقد عرف الإخفاق في زواجه،
وأصيب بالعمى في السنوات الثلاثين الأخيرة من عمره.
أثّر
أسلوبه في الأدب المكتوب بالإسبانية، وفي أدب الأمريكتين عمومًا، وتكاد لا تجد
حرجًا عند كبار الكتّاب والروائيين وهم يتحدثون عن سطوته عليهم، وقد أشار إليه
ماركيز بامتنان، وكأنه أراد القول إن أعماله امتداد لخط بدأه بورخيس. وظهر معه مصطلح
"بورجيان "، وحين يُوصف عمل بهذا الوصف فهذا يعني أنه يأخذ القارئ إلى
عوالم معقدة تتجاوز حدود الزمان والمكان المألوفة، وهو أسلوب أدبي وفلسفي فريد،
مهّد لما سُمّي لاحقًا بالواقعية السحرية.
لكن أهم
ما يمكن أن يُقرأ له، في رأيي، هو محاضراته في هارفرد، على كرسي تشارلز إليوت
نورتون، في خريف عام 1967 وربيع عام 1968، وقد عُرفت لاحقًا بكتاب «صنعة الشعر»،
ونقله إلى العربية صالح علماني.
ألقى
بورخيس ست محاضرات شفوية بالإنجليزية، وكان في تلك الفترة ضريرًا يكاد لا يرى
شيئًا، فارتجلها كاملةً. وبفضل ذاكرته الموسوعية تدفقت الكلمات، تستحضر الاقتباسات
والأمثلة من الأدب الإنجليزي والإسباني والفرنسي واللاتيني، وحتى العربي. والمثير
أنها ظلت منسية أكثر من ثلاثين عامًا على أشرطة ممغنطة في أقبية مكتبة هارفرد، ولم
تُفرَّغ وتُنشر إلا بعد وفاته بنحو أربعة عشر عامًا.
وما يلفت
في نبرته هو التواضع، فلم يقدّم نفسه أستاذًا يملك إجابات قاطعة، بل "قارئًا
شغوفًا" يشارك طلابه الشكوك والتساؤلات، والجمال الخالص المخبوء بين السطور.
يقول إنه كرّس الجزء الأكبر من حياته للأدب، ولا يستطيع أن يقدم للعالم سوى الشك
والتردد والحيرة، لأنه في كل مرة واجه الصفحة البيضاء كان عليه أن يكتشف الأدب من
جديد.
كان
يستغرب من يكتب عن علم الجمال، فذلك يشعره بالقلق، قلق من يقرأ لعالم فلك لم ينظر
إلى النجوم قط. وكان يعني الشعر على وجه الخصوص، فهو يتقبل وصفه بـ "التعبير"
لكنه يبحث عن أكثر من ذلك، وكأن الشعر عنده كائن حي يترصّد الأحياء. يؤمن بأن
الكلمات تدبّ فيها الحياة أو بتعبير أدق يتحرر منها الشعر الذي تخبئه في جوفها؛
فما الكلمات في النهاية إلا رموزٌ محضة، وعندما تنعتق من جمودها، سنشهد آنذاك
انبعاث العالم من جديد."
ويحكي
أنه حين سمع الشعر أول مرة لم يكن وسيلة للتواصل، كان عاطفة ومتعة، ولم يشعر بأثره
معرفيًا، بل عاشه تجربةً على كامل كيانه ولحمه ودمه. وأي إعادة قراءة، في رأيه، لن
تكون كالقراءة الأولى الحقيقية، ومن يدّعي غير ذلك يخادع نفسه، يبعث فيه الوفاء
للعمل شعورًا بالتأثر فيعلق في أحد فخاخ الذاكرة. والشيء الوحيد الذي تكون كل
إعادة قراءة له تجربة جديدة كليًا هو الشعر.
استشهد
بهذا المقطع البديع:
أيُّ رجلٍ انحنى فوق ابنه النائم،
ليتفكر:
كيف سيتأمل هذا الوجهُ وجهَه هو
عندما يرقد بارداً وميتاً؟
أو فكّر، حين قبّلت أمُّه عينيه،
بما
كانت عليه قبلتُها تلك حين كان أبوه يتودد إليها؟
فبحثتُ
عن القصيدة كاملة، ووجدتها لدانتي غابرييل روسيتي، وهي "السونيتة الثالثة
والستون: الشمولية":
الضيوف
العابرون، وكلٌّ في مزاجٍ شتَّى،
يجلسون
إلى مائدةٍ على قارعة الطريق ثم ينهضون؛
وكذلك
هي كل حياةٍ من بينها،
مائدةُ
روحٍ تُبسط كل يومٍ بزادٍ جديد.
أيُّ
رجلٍ انحنى فوق ابنه النائم، ليتفكر:
كيف
سيتأمل هذا الوجهُ وجهَه هو عندما يرقد بارداً وميتاً؟
أو
فكّر، حين قبّلت أمُّه عينيه،
بما
كانت عليه قبلتُها تلك حين كان أبوه يتودد إليها؟
ألا
يمكن لهذه الغرفة العتيقة التي تجلس فيها أن تسكن
في
أرواحٍ حيّةٍ شتّى، للفرح أو للألم؟
بل
إن كل زواياها قد تكون منقوشةً بوضوح،
حيث
تعرض السماء صوراً لحياةٍ عُيشت على نحوٍ طيّب؛
وقد
تُطبع، كذكرى باطلةٍ بلا نفع،
أمام
ناظرِ عيونٍ بلا جفونٍ في الجحيم.
وبعد هذا
الاستشهاد برّر بورخيس عجزه عن تعريف الشعر، فهو غير متأكد أنه يستطيع القول إنه
تعبير عن الجمال بكلمات محبوكة بصورة فانية. ويقول إن علينا ألا نتوقف عن تجريب
الشعر، فلن نعرف تمامًا كيف نعرّفه، كما لن يستطيع أحد وصف مذاق القوة بدقة، ولا
الغضب ولا الكراهية ولا الحب، ولا الفجر ولا الغروب ولا حب الوطن، فهي أشياء
متجذرة لا يعبَّر عنها إلا برموز مشتركة يصطلح عليها الجميع. وستعرف الشعر، من
وجهة نظره، حين تسري فيك تلك الارتعاشة التي تجعل شعرك ينتصب!
أما
الاستعارات فكل استعارة عنده كلمة ميتة، وكان يصرّ على أننا نسينا أن الكلمات
استعارات في أصلها، فالقصص على نحوٍ وجيه استعارات، والاستعارات كلمات ميتة، لكن
القصص حيّة بلا حدود.
وحاول
التفريق بين الرواية والملحمة، فقال إن الفرق بينهما كالفرق بين الشعر والنثر، بين
غناء الشيء وعرضه. والمهم في الملحمة هو البطل، ذاك النمط المثالي لكل البشر،
بينما جوهر معظم الروايات يقوم، في نظره، على إخفاق الإنسان وانحطاط الشخصية
وتردّيها. أما عن الترجمة ينقل الخرافة الواسعة الانتشار بأن كل ترجمة خيانة لأصل
فريد، ولعل هذا ما يفسّر تعدد اللغات التي أتقنها هذا العبقري.
وفي
محاضرة «الفكر والشعر» يتحدث عن الموسيقى بوصفها معضلة جمالية في تاريخ النقد
الفني، وينقل عن والتر باتر أن سائر الفنون تصبو إلى بلوغ "شرط الموسيقى"،
لأن الشكل والمحتوى فيها متلاحمان، فلا يمكن فصل اللحن، وهو بناء زمني من الأصوات
والوقفات، عن الأثر الشعوري الذي يثيره في النفس. ويزداد الأمر عمقًا عند الناقد
النمساوي إدوارد هانسليك، الذي رأى الموسيقى لغة حية نستوعبها ونتفاعل
معها، لكنها تظل عصيّة على الترجمة إلى كلام.
ومن أشد
آرائه تطرفًا بنظري قوله إن المعنى هو ما يُضاف إلى الشعر، فبوسعك أن تشعر بجمال
القصيدة قبل أن تفكر في معناها، وبعض الشعر جميل دون ريب وليس له معنى، لأنه جميل
للمخيلة لا للعقل. ثم يعود إلى الموسيقى ويقتبس عن هانسليك أنها شيء يُتذكر ويُفهم
بالمخيلة لا بالعقل، لا يمكن ترجمته ولا يحتاج إلى ترجمة.
ويرى أن
قيمة اللغة الشعرية في تجاوزها التفسير الحرفي، فالاستعارات "لا تستدعي
الإيمان بها"، وإنما تستجيب لانفعال الكاتب وعاطفته لتنقل الإحساس الصادق إلى
القارئ. ويظهر التباين بين مستويات الصياغة حين نقارن الأسطر الأخيرة من "الفردوس
المستعاد" لميلتون ، وهي سلسة إلى أبعد حد حين يصف عودة البطل: "دون أن
يكون مرئياً/ عاد خفية إلى بيت أمه"، بنصوص أخرى مشحونة بالدراما والرمز،
كتأمله الشجي في فقدان بصره: "عندما أفكر كيف انطفأ نوري/ قبل منتصف أيامي،
في هذا العالم المظلم".
وحياة
الإنسان، كما يراها، تمتد عبر آلاف الأيام، لكن لحظة واحدة حاسمة تختزلها، لحظة
يقف فيها المرء وجهًا لوجه أمام حقيقته ليعرف من يكون، تمامًا كأن يعثر فجأة
على شغفه، فتستيقظ فيه هوية لم يكن يدركها، وتصبح تلك اللحظة شهادة ميلاده التي
ينطلق منها إلى العالم. ووجود الكلمات عنده، وإمكانية حياكتها شعرًا، هو الحدث
المركزي في وجدان المبدع رغم زخم الحياة وإغراءاتها. ومع ذلك فمتعة القارئ، في
نظره، أسمى وأكثر تواترًا من متعة الكاتب، فالقارئ يتحرك بين السطور حرًّا سعيدًا
لا تثقله هواجس الصياغة، وتمنحه قوائم الكتب التي شكّلت ذائقته لذةً تفوق في كثير
من الأحيان لذة الإبداع.
وعلى
خلاف الشائع، لا يرى للذكاء الصارم والوعي المفرط علاقة وثيقة بعبقرية الكتابة،
فالإبداع الحقيقي يتطلب أحيانًا أن يكتب المرء شيئًا يحاول ألا يفهمه تمامًا وهو
يتدفق. ومن أبرز خطايا الأدب الحديث، عنده، وقوعه في فخ الوعي بالذات، والانشغال
المرضي بتصنيف الهويات وتحديد التوجهات الفكرية والسياسية قبل الشروع في الكتابة،
فذلك العبء يحوّل الإبداع إلى معادلة جافة تسلب النص عفويته وحيويته.
ويختم
بأن المحاولة المستمرة للإيمان بالأشياء هي وسيلة النجاة الوحيدة أمام قسوة
الوجود، حتى لو انتهت بخيبة أمل صامتة. فالتمسك بالأمل رغم التوقعات المتشائمة
مسلك يتصف بـ"السخاء البالغ" والنزاهة الروحية، والإنسان يغتني بشرف
المحاولة ونبل المقصد، حتى لو تآمرت المعطيات على خيبة آماله في نهاية الطريق.
عمومًا: ما
كتبته هنا ليس تلخيصًا، ولا يصح أن يكون. فمن يلخّص بورخيس يفعل ما حذّر منه، يضع
رمزًا ميتًا مكان كلمة حية. كان رجلًا أعمى يقف أمام قاعة في هارفرد ويتحدث عن الإبداع
كمن يتحدث عن صديق قديم.
ما لا
تنقله الملخصات. موجود في المحاضرات نفسها، "صنعة الشعر"، واتركه يحدثك
بصوته، وسترى أن الشك إذا صدر عن قارئ شغوف كان أمتع من كل يقين.
هذا كل
شيء ...

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: