حينما يتحدى المجاز حدوده، نستطيع القول: هذا هو الفن! فلم DIGGER أنموذجًا
حينما
جلست في منتصف قاعة السينما، لم أكن أتوقع أن أشهد ما قد يكون ذروة أداء توم كروز،
ولم أتوقع أن تصيبني كثافة الرمزية بالصداع، وأن يؤلمني كتفاي من كثرة ما ضحكت،
لكن هذا ما حدث.
فلم DIGGER ليس حلقة أخرى من سلسلة "المهمة المستحيلة"، ولا فلما
تراجيديًا ينتهي نهاية محزنة، ولا هو كوميديا خالصة ولا دراما. هنالك فرق بين
السخرية والتهكم، والعمل كما أراه متهكم على التاريخ وعلى الحضارة كلها، بطريقة
يمكن إسقاطها على سياقات مختلفة، وهذا سره تحديدًا. إنه يتخذ من العبث وسيلةً
لتفكيك الحضارة الحديثة، ويضع الإنسان أمام حقائق يصعب عليه احتمالها حين تُعرض
مباشرة، لكنه يتقبلها حين تتخفّى في المجاز. فالعقل قد لا يهضم الفكرة المعقدة
بصورتها الصريحة، بل يقاومها وينكرها مهما بلغت بلاغة وصفها، فإذا مُررت عبر قوالب
مستعارة فهمها وتقبّلها. وهنالك حقائق مُرّة، لا يستوعبها الإنسان إلا إذا سخر
منها وتهكم عليها وقلّل من سطوتها.
يبدأ
الفلم بديغر روكويل وإزعاج أخته إيمي له، وهو منهمك برعاية قطته المسنّة المتعفنة،
التي جاوز عمرها الخامسة والثلاثين! ويبدو يومه احتفاليًا؛ ديغر في غاية القلق على
القطة، وإيمي تكرر الاتصال، وهو يترقب وصول أفضل طبيب بيطري متخصص في القطط، بينما
يحاول فريق الأمن والسلامة في شركته الوصول إليه. ثم يعرف بوجود شرخ تحت الجليد،
تسبب فيه احترار الكوكب، فتسرّب الميثان من تحت الجليد، وتسارع تفككه نتيجة استمرار
أعمال الحفر. وينكر ديغر علمه بالأمر، مع أنه قد تم إبلاغه به منذ بداية الأزمة،
ثم يصل غانيش، العالم القادم من كيرلا في الهند، ويترأس فريق الأمن والسلامة،
فيشرح له عمق المشكلة، وديغر لا يزال منشغلًا بماغي وحالتها الصحية. وتظهر مفارقة:
الإنسان، حين يبلغ درجة مفرطة من السطوة والثراء، لا يكترث بالآخر بقدر ما يكترث
بذاته وبكل ما يدور حولها.
يريد ديغر إبلاغ الرئيس، لكن الرئيس يكون قد علم، ويتحدد اجتماع في منزل ديغر بين مالك شركة النفط وكامل فريق الحكومة الأمريكية. ويحضره فريق الأمن والسلامة في شركة روكويل التي يملكها ديغر، وفي ذلك مفارقة أخرى؛ إذ يتضح أن الفريق لا يعرف مهام عمله إلا معرفة صورية، ولا أحد فيه يريد تحمّل المسؤولية، باستثناء غانيش. تسأل الحكومة عن حجم الضرر، وحين ينكشف لها هول الأضرار وقيمة التكاليف يصطف الجميع خلف الرئيس والقسيس، الذي يصلي ويدعو الله أن يمد هذا الزعيم بعونه وينصره على أعدائه، في دعاء لا صلة له بما تقتضيه الأزمة من عمل. ومن هنا تتضح الرسالة: فريق إدارة الأزمة لا يعي خطرها حقًا، ولكل واحد منهم هدف غير معلن؛ الرئيس يفكر في الأرباح والخسائر، وديغر في ملكيته ورأس ماله، وقادة الجيش يريدون ضرب العالم بالأسلحة النووية، والقسيس يريد الحفاظ على أثر لا وجود له، وديغر يقترح فوق ذلك حجب المعلومات عن الناس، فيتحملون عاقبة أزمة لم يكن لهم يد في أسبابها ولا علم بها. لا تصبح المعلومة هنا وسيلة لفهم الواقع، بل أداة لتوجيهه، ولا يُقاس نجاح القرار بقدرته على منع الكارثة، بل بقدرته على حماية أصحابه من تبعاتها. ويتحول المقدس نفسه إلى غطاء أخلاقي لقرارات يصعب أو يتعذر تبريرها، فتُستثمر هيبة رجل الدين لإضفاء المشروعية على حسابات السياسة والمصالح.
سلوك
ديغر ذكّرني بعبارة قرأتها قديمًا، مفادها أن ملاك الشركات العابرة للحدود هم
أحفاد الإقطاعيين الهاربين من جحيم أوروبا. لا أراها حقيقة تاريخية مكتملة، ولا
وصفًا ينطبق على الجميع، لكنها صورة نقدية تختزل انتقال الامتياز من الإقطاع
القديم إلى الرأسمالية الحديثة، حيث لم تعد السيطرة تحتاج إلى الأرض، بل صارت
تمارس نفوذها عبر الشركات والموارد وشبكات المصالح العابرة للدول. ويقرّب هذه
الصورة أن التسلسل الطبقي في الفلم يشبه الطبقية التي قامت في أوروبا القديمة؛ ففي
أعلاه صاحب رأس المال والحاكم، ويقف إلى جانبهما رجل الدين يمنحهما الغطاء
الأخلاقي كما كان في أوروبا القديمة، وفي أسفله غانيش ابن العالم الثالث، يملك
الحقيقة ولا يملك القرار، ومعه الخدم. وأصحاب الامتياز هؤلاء يعرفون كيف يستخدمون
الآخرين، وكيف يوظفون كل شيء لتعزيز ملكيتهم، بما في ذلك الحقائق والمعلومات.
يأخذ
الفلم مسارًا آخر حين يدخل ديغر والرئيس كومبسون غرفة سرية تشبه معملًا خيميائيًا
يخص والدة ديغر، ويخبره الرئيس هناك بأنه مصاب بالسرطان. ثم تأتي نقطة التحول: كل
ذلك كان تمثيلًا، وتتخلله فترات استراحة بين المشاهد والحوارات. وفي أثناء ذلك
يبحث ديغر عن ابنته فلا يصل إليها. وتلفت النظر تفاصيل تتكرر في الفلم: صوت قطرات
الماء المتسربة من السقف، والابنة المفقودة، والإعصار الذي يعصف بالعالم ولا
يُقدَّر حجمه، وشخصية تدخل مسار الأحداث اسمها كيني، يؤدي دور منتج المسرحية.
مشهد
النقاش في منزل الرئيس فهو من أكثر المشاهد جنونًا، إذ يرى الرئيس العالم متمثلًا
في دولته، ويرى دولته متمثلةً في جسده هو. هو مريض بالسرطان في منطقته الحساسة،
والعالم مريض مثله في منطقة حساسة، وهو يتهم روسيا والصين بالتسبب في مرضه،
وبالتالي في مرض العالم، فلا يعترف بأنه جزء من الكارثة. ويسأل باستمرار عن
الأرباح والخسائر، ويثير ديغر النقاش حول رأس ماله ومنصاته النفطية، وأثناء ذلك
يتفكك العالم بسرعة، وقطعة جليدية كبيرة على وشك تدمير أوروبا. يتدخل القسيس ليؤكد
أوهام الرئيس، ويبدأ في التحدث بلغة غير مفهومة، فيقاطعه الرئيس ويطرده، مؤكدًا أن
الأناجيل كتبها العبرانيون، وأنه يجب أن يكتبها الأمريكيون؛ لأنها، في رأيه، غير
عملية ولا تؤدي دورها في هذه الأزمة. ثم يصر على ضرب الصين انتقامًا لمرضه بثلاثمائة
قنبلة نووية، ويحضر حامل الحقيبة النووية، فيطلب الزر الأحمر، فيُبلَّغ بأن
الحقيبة تحوي ثلاثة كتب تعليمات، وأن عليه قراءتها؛ ولا وجود لأي زر أحمر، وكأن
الرئيس لا يعرف حدود سلطته وإمكانياته وقوته!
اللقطة
الأهم هي الاجتماع في المجلس الأوروبي. يلقي نائب الرئيس كلمة يؤكد فيها أن أمريكا
وقفت دائمًا مع أوروبا وستقف معها مجددًا، وكأنها غير معنية بالمسألة. ثم يذهب ابن
العالم الثالث، الدكتور غانيش، ويلقي الملامة كاملة على شركة روكويل، مؤكدًا أن
ديغر لم يعلم بالكارثة الأخيرة فحسب، بل كان يعلم بها منذ تأسيس الشركة. ورغم
وجاهة حجج غانيش، ستميل الكفة لصالح ديغر، مع أنه المتسبب المباشر. يدخل ديغر
فيهاجمه الجمهور بقسوة، فيقر بأن كل ما قيل حقيقي، ويلقي اللوم على العالم؛ لأنه
لولا طلبه المتزايد على الطاقة لما اضطر إلى زيادة التوريد والمساهمة في سرعة
تدمير العالم. فالعالم يريد رحلات رخيصة، ويشتري ما لا يحتاج إليه، ويستخدم
الأشياء بكيفية غير مستدامة. بل يلقي اللوم على الذكاء الاصطناعي، قائلًا إنه
سيستنزف موارد الكوكب بوتيرة أسرع. ثم يفضح المنتخبين في المجلس الأوروبي، فيؤكد
أنهم يملكون أسهمًا في شركته، وأنهم زادوا استثماراتهم فيها بعد أن مثّلوا
ناخبيهم، ويخلص من ذلك إلى أن الملامة ليست على المورّد بل على المستهلك: فلولا
الطلب لما وُجد العرض!
واللافت
في مشهد المجلس صورة ربة العدالة، تحمل الميزان وعيناها مغطاتان، فبدل أن يكون
الغطاء رمزًا للحياد صار، في ضوء ما يحدث، رمزًا للتضليل؛ إذ لا ترى العدالة
الوقائع كما هي، حين تتدخل القوة والمصلحة في توجيه حكمها، والرمز الذي يفترض أن
يضمن عدم الانحياز يصبح شاهدًا على انحياز المنظومة نفسها. ويبلغ ديغر الجميع بأن
شركات البيئة متواطئة أيضًا، وأنها شركات طفيلية تبيع وهمًا يتعذر تحقيقه، وتعتاش
على بقاء شركات الطاقة التي تدمر الكوكب. ولا أظن الفلم يقدم هذا الاتهام حكمًا
عامًا على كل من يعمل في المجال البيئي، بل يوظفه لنقد منظومات تجارية قادرة على
تحويل الأزمات، إلى أسواق جديدة ومصادر ربح؛ فالمشكلة ليست في وجود من يعالج
المشكلة، بل في أن تصبح معالجتها مصلحة تتعارض مع إنهائها. وفي المشهد تظهر إيما،
شقيقة روكويل، التي دمّر شقيقها حلمها بالثراء في جملة واحدة.
أما
المشهد قبل الأخير فيجمع ديغر وزوجة الرئيس وأمه وإيما وابنها، مع قلة من الخدم،
وقد نُفوا إلى منصة حفر في البحر. هربت الخادمة المخلصة، وماتت ماغي، والمطبخ
فارغ، وأغلب الطاقم هرّب بما بقي من الطعام والذهب؛ لأن الكوكب احترّ، وماتت
الأسماك، وتلف كل شيء. ويتهم ديغر العالم بأنه فقد إيمانه، ثم يتجه نحو الرئيس
الميت، الذي صار يراه قديسًا، فيصلي نحوه طالبًا بركته، وأن يبارك العالم. ثم يلمع
ضوء أصفر، فيفتح ديغر باب مخزن الطعام ويراه مليئًا بالخيرات، ويؤكد لفريق
الطباخين أن الإيمان ضرورة حتى تحدث المعجزات، وأن على الجميع أن يتحلى به. ثم
يخرج، فتعود الكاميرا إلى مخزن الطعام، ليتضح أنه كان يتوهم؛ لا طعام، ولا قداسة
للزعيم، والعالم وصل فعلًا إلى دماره. وهنا يقول الفلم ما هو أبعد من نقد السلطة:
قد لا تكون المشكلة دائمًا في غياب الحقيقة، بل في أن الحقيقة، حين تتعارض مع
مصالحنا أو تصوراتنا عن أنفسنا، تصبح أقل إغراءً من الوهم، فيصير الإنسان أسير
الرواية التي صنعها بنفسه واختار تصديقها. يأتي أخيرًا ابن إيما إلى ديغر ليعطيه
رماد ماغي، ويخبره بأن هذا الرماد كان يومًا ما قطة، في إشارة إلى أن العالم قد
يرثي الرفاه والترف بعدما كانا حقيقة موجودة! ثم يفارقه الصبي بعدما طلبت منه أمه،
التي لا تزال تؤمن بوهمها في حماية البيئة، أن يلبس الكمامة ويأتي إليها. ثم يقفز
ديغر أخيرًا إلى المحيط في مشهد يحاكي كثيرًا قفزة توم كروز الشهيرة في فلم Vanilla Sky.
تنتهي
المسرحية، وتعود ابنة ديغر إليه بفضل كيني، الذي عثرت شركة استخباراته الخاصة
عليها بمجرد معرفته رقمها. والقطة ماغي لا تزال حية، وكيني هو من موّل الفلم ليحكي
قصة عائلته، عائلة روكويل. ثم يُطلب من الجميع عبر مكبرات الصوت لبس الكمامات
والخروج من المسرح، فيتضح أن العالم قد خرب فعلًا؛ منسوب المياه يغطي الشوارع،
والجيش يحكم ويراقب كل شيء، والهواء ملوث، وروبوتات تخالط البشر، كأنه واقع رواية
جورج أورويل 1984. وتظهر آخر كلمة في الفلم: "الامتثال حرية!"، وهي
عبارة تعيد تركيب منطق أورويل القائم على الشعارات المتناقضة التي تُفرغ الكلمات
من معانيها، حتى يصير الخضوع حرية، وتتحول السيطرة إلى نظام، ويُقدَّم الانصياع
بوصفه اختيارًا. ليست المسألة مجرد قلب لعبارة "الحرية عبودية"، بل
استحضار لعالم تُعاد فيه صياغة أدوات اللغة لتبرير السلطة وتحريف الحقيقة، ويُدفع
فيه الإنسان إلى قبول التناقض ما دام صادرًا عن الجهة التي تملك حق تعريف الحقيقة.
في
الفلم مشهد يمر على وجوه الجمهور في المسرح، وقد شاهدوا المسرحية صامتين، وصفقوا
ببهجة ثم خرجوا. كان لدى الجمهور من يلقي عليه الملامة، وكان الجيش يحكم ويشرف على
كل شيء. أما الرابح الوحيد، فليس الممثل ولا الجمهور ولا حكومة أمريكا، بل المنتج
الذي أنتج المسرحية وأشرف على أدق تفاصيلها، دون أن يعرف به أو عنه أكثر الناس،
باستثناء فريق المسرحية. وبينما تنشغل الشخصيات بتفسير ما حدث، يبقى هو خارج دائرة
الضوء، يمسك بالخيوط من موقع لا يراه المتفرجون. وهنا يقلب الفلم المفارقة على
الجميع؛ إذ قد يظن المشاهد أنه يتابع حكاية عن السلطة والفساد والتلاعب بالحقيقة،
ثم يجد نفسه أمام سؤال أشمل: من الذي يتحكم في العرض الذي نراه؟ ومن الذي يحدد ما
يظهر لنا وما يظل خارج المشهد؟
لذلك لا أرى أن الفلم ينتهي عند
الكارثة التي يرويها، بل عند الكارثة التي يكشفها: عالم يصنع فيه أصحاب الطمع
والجشع الأزمات، ويتحكمون في تفسيرها، ثم يقدمون أنفسهم جزءًا من الحل، ويتنصلون
من مسؤوليتهم عنها. عالم تكون فيه الحقيقة فيه أقل أهمية، والحرية كلمة يمكن إعادة
تعريفها حتى تعني نقيضها.
وكأن
الأمر تذكير بزلّة آدم الأولى، حين وُسوس إليه: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ
الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾. فالطمع في الخلود والملك الذي لا يبلى هو ما
أخرج الإنسان من الجنة، وهو ما يدفع هؤلاء اليوم إلى إخراج العالم من جنته. وقد
تذكرت وأنا أشاهده أفلامًا وأعمالًا أخرى: The Matrix، وNapoleon، ورواية أورويل 1984، وVanilla Sky، وسلسلة ألعاب الجوع، وسلسلة Dune. لكن يبقى Digger فلما بديعًا، استطاع أن
يضغط السردية إلى حدها الأقصى، وأظنني أراه فلما للتاريخ؛ لأنه يقارب النفوس
البشرية في مختلف الطبقات على نحو يعصى على الوصف، وهذا هو جوهر الفن.
هذا
كل شيء ...
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: