المسؤولية لا تسقط بالإفراط ولا بالجدية!

 




خرجنا إلى الدنيا فإذا نحن في قلب عاصفة وجودية مرهقة. وما أكثر النظريات التي حاولت تفسير انجذاب الإنسان إلى الأشياء ونفوره منها، لكن لم يحسم المسألةَ أحد بجواب قطعي. بين الهو والأنا والأنا الأعلى، وبين غريزة الموت وغريزة الحياة وغريزة البقاء، وبين التكوين الثقافي والبيئي والعوامل الاجتماعية وما نرثه منذ الولادة، تطول القائمة ولا يفيد سردها. ستعيش وتدرك أن البشر كائنات أغرب من أن تُسبر حاجاتها كلها، وأعصى على أي مفهوم أن يحتويها. غير أن العامل الحاسم في مسيرة أي إنسان هو إمكانياته، وأهدافه، وما يتوقعه، وما يخافه.

كل إنسان قادر على أن يعرف الإجابات وأن يفكر، لكنه يحمل في عقله فيروسًا يشلّ إمكانياته اسمه القلق. وكثيرًا ما يتفرع عن القلق شعور بائس قاتل يسمى العجز، وقد ينتهي العجز إلى الندم، ومن الندم ينمو شعور متوحش لا يرحم هو الشعور بالذنب. ومن مشكلاته الأخرى العجز عن الاختيار، وقد يعجّل بإفشال كل شيء. ويقابله فرط الخيارات، فإذا اجتمع مع القلق جعل الإنسان عاجزًا تمامًا. تلك معضلة الحرية، وكثيرون يحلّونها بأن يسلّموا عقولهم إلى الغير ويرتاحوا من العبء.

يُروى أن نابليون خسر في لايبزيغ عشرات الآلاف من جنوده، فلم يكتئب ولم يشعر بالذنب ولم يرفّ له جفن. كان يؤمن بوجود حيلة، ويفهم الحياة ودوراتها بين الصعود والهبوط، ويدرك أن هذه الخسارة عثرة مؤقتة تسبق جولة أخرى يؤمن أنه سينتصر فيها ويبلغ ما كان يصبو إليه. مفاد القصة أن الندم قرين العجز.

يعيق التفكير الخوف، أو الطمع الذي هو في أصله خوف معكوس من فوات الغبطة. وشدة التطلع كشدة الخوف، تُبقي صاحبها واقفًا في مكانه لا يبرحه. كثيرون تطلعوا إلى الأشياء وترقبوها وعلّقوا آمالهم على أن تجري كما يريدون، وقليل جدًا من جرت له كما أمّل. فمنهم من تقبّل ما وُهب وتعايش معه، ومنهم من أصابه جزع مفرط أو اجترّ الماضي وبقي مكانه.

الحياة لا تحابي أحدًا، ونصيبها للمستعدين. وثمة مخارج طوارئ سريعة، قد تنقذك بإذن الله من مأزق الحيرة والعجز والندم، وكل ذلك بعد عون الله وتوفيقه. أولها أن تبحث لنفسك عن نموذج ناجح في سياق مشابه فتسير على نسقه مع لمساتك الخاصة. وثانيها أن تستعير فكرة من سياق حياة آخر وتعمل على جعلها تتسق مع سياقك. وثالثها أن تنسجم مع ما يحدث لك حتى لو لم يعجبك، وأن تعمل بما تملكه من أدوات ليليق بك. وهذا يحتاج كثيرًا من التفكيك والتركيب والتزيين والرتوش حتى يصير مقبولًا ومستساغًا ومبهجًا.

خطر آخر، وهو أن ما نتطلع إليه ونحبه قد يقتلنا. قرأت في "رسائل إلى روائي شاب" قصة الدودة الوحيدة، أو الشريطية، ساقها فارغاس يوسا تشبيهًا للموهبة الأدبية. بعض الفرنسيين السمان كانوا يتعمدون ابتلاع دودة ليفقدوا أوزانهم ويصبحوا أكثر رشاقة. يبدو الأمر مبهجًا في البداية، فيخسر الواحد منهم وزنه سريعًا، قبل أن ينقلب نقمة، إذ يُصاب بشره مرضي فيأكل باستمرار بلا لذة ليُرضي الدودة التي ابتلعها وغذّاها، حتى ينهكه تطلعه ويقضي عليه.

 

كم من الأشياء تطلعنا إليها وبرعنا فيها، ثم استنزفتنا على نحو مؤسف! فهل تستطيع أن ترفض لأنك تريد الرفض، وأن تقبل ما تريد وما تستطيع قبوله؟ هذا المحك المزعج جزء من حصيلة خبرتك الوجودية، ومهارة يلزمك أن تنقلها إلى ذريتك وأحبابك وتعلّمها لهم.

قصارى القول، خرجت إلى الوجود وأنت ملزم بموقف تجاه ذاتك وتجاه كل ما سواها، بقدر وسعك وما أُتيح لك في عبورك، وستُسأل عن هذا الموقف. فإن غلّبت ما عليك على ما لك، أو أفرطت في السعي لما تريده، فقدت حياتك اتزانها وسقطت لأنك سمحت لبواعث الخوف والطمع أن تحكمك.

راقب، واستمتع، وكن مسؤولًا، وتعرّف على ملكاتك. حاول تجنيب نفسك الألم، ولا تفرط في نهم السعي نحو اللذة. تأكد أنك أخذت حقك الكافي من أيامك، وأنك أديت كل ما أنت مسؤول عنه.

 

هذا كل شيء ...

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

كل شيء ممكن... لكن ليس كما تتوقع!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

انكشاف الفراغ: نيتشه وإرادة القوة وسؤال المعنى!