"بيت شعبي" يختزن ذكريات أشياء لم تعد موجودة!


 

سعيدٌ لكوني من أوائل القراء الذين أكرمهم طاهر بتجربة ملامسة عمله البديع "بيت شعبي"، العمل الذي سيهاجم ذاكرتك وذكرياتك بطرق مختلفة. لن تستطيع مقاومة هذا الهجوم. الغلاف البديع لصالح القرني، ورسومات سليمان الزهراني، وذكريات الحياة قبل أن تصبح الحياة بالغةَ الكهولة، وتصبح حتى هي لا تعرف نفسها ... وجِدّة!

 

طاهر أقدم مني بكثير في جدة، مع أننا نشترك في الأصل الجغرافي الذي نتحدّر منه. وجدة بالنسبة لنا ليست مجرد مدينة أخرى اضطررنا إلى النزول فيها، بل كانت امتدادًا لنا، لأن أسلافنا وقراباتنا قصدوها وعاشوا فيها وبقيت في وجدانهم، ودُفن فيها كثيرٌ منهم.

 

أتذكر حين مات أحد قرابتي ممن عاش ومات فيها، وكان شخصيةً عجائبية، كأي شخصية تقف أمامها حائرًا لا تجد لها وصفًا. كان يشبه في أوصافه النبي داود؛ تجده شاعرًا، وعارفًا، ومثقفًا رغم أميّته، وفيلسوفًا، وراويًا ونسّابًا، وميكانيكيًا ونجارًا وكهربائيًا، وقناصًا، ومجالدًا ومصارعًا لم يُعرف عنه موقفٌ هُزم فيه. كان تقريبًا كلَّ شيء. وحين حضرته الوفاة تقرر دفنه في جدة، وعندها سمعت أحد أروع التعليقات عن الدفن حينما قال أحدهم: "عاد للطينة التي خُلق منها!". كأنما كان يشبه جٍدة أو جدة بكيفيةٍ ما تشبهه!

 

لا يلزم أن تكون ممن عاشوا في جدة أو عرفوها كي تلمس أصالة العمل، لكنك ستشعر بالبيوت الشعبية، والحواري، والأسياب، والقطط، والطيور، والأطفال، والعارضات، والأخشاب والإسمنت، والسماء والبحر والجبل. كلها لا تعبر هونًا في هذا العمل، ولا في أغلب أعمال طاهر. جدة التي تستقبل الحجاج والبضائع والمسافرين هي نفسها التي اختيرت لتُقبض فيها أمُّ البشر حواء. وجدة، وإن عبرت بتاريخها البشرية، فإنها ستبقى أحد أعمق الجذور صلةً وامتدادًا بالتاريخ والحضارة تمامًا كحواء المدفونة فيها.

 

بيت طاهر الشعبي ليس مجرد قصص عن جدة والحياة فيها، والرسومات كذلك. هل يُقرأ النص ثم تُتأمل الرسمة، أم تُتأمل الرسمة ثم يُقرأ النص؟ لا فرق؛ ستصل إلى المعنى، ستقبض عليه متلبسًا بشحمه ولحمه وظلاله.

 

هذا العمل لا يوثّق ذكريات طاهر وحدها، بل يوثّق حياة الإنسان قبل أن يعرف الانخراط في وسائل التواصل الاجتماعي، ويوثّق تجربة لمس الأشياء على طبيعتها، لا الاكتفاء بالصورة عنها، والتي احيانًا ما تكون زائفة، أو لا تعكس حقيقتها كاملة على الأقل. ويوثّق تجربة أن يتفاعل الإنسان مع الإنسان، وأن يختبر بكامل جوارحه الاتصال بالآخر والتفاعل معه!

 

قرأت العمل فعصفت بذاكرتي البائسة ذكريات كثيرة، المسافرون الكُثر الذين ودّعتهم واستقبلتهم، والضيوف، والأمسيات التي حضرتها طفلًا، والوجوه التي فعل بها الزمن فعلته بالأشياء، والوجوه التي غيّبها الموت، والأشياء التي حاول النسيان جاهدًا أن يبددها، ولم أنسها.

 

العمل ليس للقراءة الواحدة. بطريقة أو بأخرى، ستعود إلى مقطع ما فيه؛ ستعود لأنك لمستَ شعورًا ظننتَ أنك نسيته، وستعود لأنك لامس جمالًا خالصًا أصيلًا. وهذا جوهر هذه تجربتي معه.

 

شكرًا طاهر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

كل شيء ممكن... لكن ليس كما تتوقع!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

انكشاف الفراغ: نيتشه وإرادة القوة وسؤال المعنى!