مالإنسان حينما يسقط قناعه!

 


 

الواقع لا يخلو من تمظهرات الحالة الطبقية الأصلية للبشر، إذ تستطيع أن ترى بجلاء التصرفات التي تكشف عن الحالة الأصلية للآخر. ولنسلّم جدلًا بأننا في عصر لا يتساوى فيه الجميع، لغياب قوة القوانين والأنظمة والتشريعات. فمن المعروف والواضح لأي عاقل أن من أهداف القوانين، في نهاية المطاف، الحد من سطوة الأقوياء وسلطتهم، ومن قدرتهم على فرض إرادتهم على الآخرين. فكيف سيتصرف الفرد لو لم يكن ثمة ما يحميه أو من يحميه؟ وما حالته المهنية والطبقية والمادية لو كان على الإنسان أن يحتل المكانة التي تمكّنه من العيش طبيعيًا، دون أن يبطش به الآخرون أو ينكروا عليه مكانته ووضعه؟

 

هنالك من سيكون جلادًا أو نخّاسًا أو ناسخًا أو متكسّبًا بكلامه أو عتّالًا أو قهرمانًا، أو خلاف ذلك مما تتجلى فيه صفاته، وبما يمتلك من المؤهلات الطبيعية، الجسدية والذهنية، مما تؤهله لمكانته، ولا يجيد أو يستطيع غيرها من الأعمال. لا عيب في العمل، لكن المعيب أن ينكر الإنسان ما يجد في نفسه من طبع. فهنالك من يحب أن يقود نفسه ويتحمل مسؤولية قراراته، وهنالك من لا يمانع الانقياد هربًا من المسؤولية. وهنالك من يعرف كيف يصنع اتجاهًا وذوقًا يؤثران في الآخرين، وهنالك من يهوى التقليد. الطباع في المُجمل تغلب على التصنّع، ولا يلبث الإنسان حتى يعود إلى أصله ووضعه حين تشتعل نيران الحقيقة، لتذيب ما يحجب الأصل من فبركات.

 

نعرف مثلًا أن "الحرة تموت جوعًا، ولا تأكل بثدييها". وهذه الفكرة تعني فرقًا جوهريًا قلّما يُلمس، وهو أن الحرة تملك من العقل والمهارة والاعتزاز بذاتها وقيمتها ما يجعل ذلك أرجح عندها من الحاجة إلى صرف الأنظار عن ذاتها إلى جسدها. إنها أكبر من أن يقدّم لها الآخرون مرادها لأنها استطاعت أن تجعلهم يشتهون جسدها أو أن تغريهم به!

 

الأحرار أشخاص إذا ضاقت بهم الحياة بحثوا عن مخرج، وآخرون إذا ضاقت بهم بحثوا عمّن يلومونه. ثمة من يرى في الهزيمة واقعةً تستدعي إعادة المحاولة، ومن يراها حكمًا نهائيًا على قدرته. وبين هذين الموقفين مسافة أبعد بكثير من الفارق بين القوة والضعف، إنها المسافة بين من يحتفظ بإرادته تحت الضغط، ومن يستسلم حتى قبل أن تنفد خياراته.

 

تدور حول هذه المسافة أفكار كثيرة، لعل أشهرها تمييز نيتشه بين أخلاق السادة وأخلاق العبيد. لكن المسألة أوسع من أن تكون تقسيمًا أخلاقيًا للناس، وأعمق من أن تتعلق بما يملكونه من مال أو سلطة أو نفوذ. إنها تتعلق بالطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه، وبالطريقة التي يتصرف بها بداهةً وبطريقة تلقائية، وبالمصدر الذي يستمد منه قيمته، وبكيفية تعامله مع ما يعجز عن بلوغه.

 

البعض يستمد قيمته من ذاته، ولا ينتظر من الآخرين أن يمنحوه إياها. يميل إلى التميز والتسامي عن المألوف، ولا يرى في اختلافه عن الآخرين عيبًا يستوجب الاعتذار أو التبرير. يضع معاييره الخاصة، ويزن الأشياء وفقًا لها، ولا يجعل رضا الآخرين شرطًا لرضاه عن نفسه. إنه الذي يمنح الأشياء معناها في عالمه، ويضفي الشرف على ما يختار، ثم يتحمل مسؤولية اختياره، بل قد يدافع عنه باستماتة، لأنه يعرف مبادئ اختياره وأسباب تمسكه بها.

 

يحتقر الجبن والتصاغر والتزلف، ويزدري من يرضى بإهانة نفسه طلبًا لمنفعة أو قبول. لا يحترم الكذب الذي يستر العجز والمهانة، ولا النفاق والتملّق اللذين يشتريان المودة، ولا الاعتماد على الآخرين حين يكون المرء قادرًا على الاعتماد على نفسه. هو لا يضيق بالضعف لأنه ضعف فحسب، بل لأنه يرى في الاستسلام له، واتخاذه عذرًا دائمًا، تنازلًا عن قدرة الإنسان على تجاوز نفسه، وعن أن يكون حرًا عزيزًا لا تستعبده الحاجة إلى الآخرين. بل يرى أن فضل أحدهم عليه قد يتحول إلى دَين يستعبده، ونعرف أن السادة لا تدين رقابهم بمثل المعروف!

 

ولأن القوة عنده ليست مجرد مظهر، فإنه يعرف أن امتلاكها لا يكفي، بل لا بد من معرفة كيفية استخدامها. يكون صارمًا مع نفسه وشهواته، يعرف حدوده، ويميّز بين ما يستطيع فعله وما ينبغي له فعله. يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يتقدم ومتى يتراجع. لا يستعرض قوته في كل مناسبة، ولا يبددها في معارك لا تستحقها. فالقوة التي لا يحكمها العقل ليست سيادة، وإنما اندفاع لا يعرف صاحبه إلى أين يقوده. وقد يكون من مقاييس الحرية هو مدى القدرة على اختيار توقيت الفعل!

يميل إلى الصرامة، ولا يخشى المواجهة، ولا يتخذ من اللين وسيلة لاسترضاء الآخرين. وإذا وضع حدًا، لم يرفعه لمجرد أن أحدهم استاء منه. لا يجعل الشفقة عملةً يشتري بها المحبة، ولا يقبل أن تتحول حاجته إلى الآخرين إلى وسيلة لابتزازه. وحين يمنح صداقته، يمنحها بعمق، وحين يعترف بالجميل، لا ينساه. إنه قادر على الوفاء دون أن يكون تابعًا، وعلى المحبة دون أن يفقد استقلاله.

 

وله صلة بماضيه وأسلافه وتقاليدهم. يعرف أن الإنسان لا يبدأ من الصفر، وأن ما ورثه ليس كله جديرًا بالرفض، كما أنه ليس كله جديرًا بالتقديس. يستطيع أن يعتز بماضيه دون أن يسجن نفسه فيه، وأن يتطلع إلى المستقبل دون أن يجعله وعدًا بالخلاص.

 

أما أخلاق العبيد، فتبدأ حين يفقد الإنسان ثقته بقدرته على الفعل، ويصبح أسيرًا للشعور بأنه مغلوب على أمره. يشعر بأنه مقيّد بالظروف، محاصر بالآخرين، وأن ما يصيبه من هزائم ليس إلا دليلًا جديدًا على عجزه. يعاني من ذاته، ويجد في وجوده عبئًا، ثم يبحث في العالم عن تفسير يخفف عنه وطأة هذا الشعور.

 

يخاصم الماضي، ويمجّد المستقبل، ويقلل من شأن أسلافه وتقاليدهم، ثم يعلّق آماله على زمن لم يأتِ بعد. إنه يؤجل حياته إلى أن تتغير الظروف، ويؤجل قراراته إلى أن تزول المخاوف، ويؤجل شجاعته إلى أن يضمن النتيجة. وحين يأتيه المستقبل الذي انتظره، يكتشف أنه لا يزال يحمل معه العجز نفسه، فيبحث عن مستقبل آخر.

 

والمفارقة أنه لا يكتفي بالشعور بالعجز، بل يعيد ترتيب منظومته الأخلاقية بما يجعلها تتمحور حول قبول عجزه، وربما رفع العجز إلى فضيلة. تتحول القوة في نظره إلى غرور، والاستقلال إلى أنانية، والتميز إلى تعالٍ، فيما تصبح الحاجة إلى الآخرين دليلًا على الاجتماعية الطبيعية، ويصبح التنازل عن الكرامة ضربًا من التواضع. وهكذا يُطبّع مع العجز ويتحول تجريم الاستياء منه إلى مذهب في الحياة.

 

لا يعني ذلك أن الشفقة رذيلة، أو أن التواضع ضعف، أو أن الاستقلال يستلزم القسوة. إنما تكمن المسألة في الدافع الذي يقف خلف هذه الصفات، وفي الوظيفة التي تؤديها داخل النفس. فثمة من يتواضع لأنه لا يحتاج إلى إثبات تفوقه، وثمة من يتواضع لأنه يخشى أن يرفع رأسه ولا يملك من القوة من ما يكنه الدفاع عن مبادئه. وثمة من يرحم لأنه قوي بما يكفي ليرى ضعف الآخرين دون أن يخشاه، وثمة من يجعل الشفقة وسيلةً لإبقاء الآخرين مدينين له. قد تتشابه الأفعال، لكن دوافعها تكشف عن عالمين مختلفين.

 

السيد، في المقابل، ليس بالضرورة منصفًا، ولا كل ما يصدر عن إرادته جديرًا بالإعجاب. فقد تتحول السيادة إلى غرور، والقوة إلى استبداد، والاعتزاز بالنفس إلى عجز عن الاعتراف بالخطأ. وقد يصبح الإنسان أسيرًا لصورته عن نفسه، فلا يستطيع التراجع حين يتبين له خطؤه، لأنه يخلط بين مراجعة قراره والإقرار بالهزيمة. عندئذ تتحول القوة نفسها إلى قيد، ويصبح السيد عبدًا لصورته عن نفسه.

 

المسألة لا تُحسم بالسؤال عن مقدار القوة التي يمتلكها الإنسان، وإنما بالسؤال عمّا يفعله حين تُنتزع منه.

 

ماذا يفعل حين يخسر؟ حين يُهان؟ حين يُغلق في وجهه باب كان يظنه مخرجه الوحيد؟ هل يبحث عن باب آخر، أم يقضي ما تبقى من عمره في إدانة الباب الذي أُغلق؟ هل يعيد النظر في طريقته، أم يكتفي بإعادة سرد موقفه البائس؟ هل يستطيع أن يحتمل الألم دون أن يحوله إلى هوية، وأن يعترف بالعجز المؤقت دون أن يتخذه تعريفًا دائمًا لنفسه؟

 

تتكشف السيادة في صورتها الأعمق من خلال الإرادة، والقدرة على الحيلة على العجز، ورفض الاستسلام لليأس. فالسيد ليس من لا يُهزم، بل من لا يجعل الهزيمة تعريفًا نهائيًا لنفسه. إذا لم يستطع المواجهة، بحث عن طريق آخر. وإذا لم يملك القوة، استخدم الصبر. وإذا لم تنفعه خطته، غيّرها. إنه لا يشترط على الحياة أن تمنحه ظروفًا مثالية كي يبدأ، ولا يشترط أن يكون الطريق مفتوحًا كي يبحث عن منفذ.

 

حتى الصبر عند السادة ليس انتظارًا سلبيًا، بل حيلة أخيرة حين تنفد الحيل. والتراجع ليس اعترافًا بالعجز، بل قد يكون شرطًا لاستعادة القدرة على التقدم. إنه يعرف أن الإرادة لا تعني أن تفعل وتنال ما تريد في كل وقت، وإنما أن تظل قادرًا على اختيار ما تفعله حين لا تستطيع الحصول على ما تريد.

 

أما العبودية، فهي أن يتحول الضغط إلى شلل، والهزيمة إلى هوية، والظرف إلى قدر نهائي. أن يتوقف الإنسان عن البحث عن مخرج لأنه أقنع نفسه بأن الأبواب كلها مغلقة، وأن يفقد إرادته قبل أن يفقد قدرته، وأن يقضي عمره في انتظار عالم مختلف دون أن يحاول تغيير شيء في العالم الذي يعيش فيه.

 

اخيرًا: هو من لا يفقد نفسه حين يحتاج، ولا كرامته حين يُهزم، ولا قدرته على الفعل حين تضيق به الخيارات. فالسيادة ليست أن تكون سيدًا على الآخرين، بل ألا تجعل من عجزك سيدًا عليك.

 

هذا كل شيء!


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

كل شيء ممكن... لكن ليس كما تتوقع!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

انكشاف الفراغ: نيتشه وإرادة القوة وسؤال المعنى!