كيف يمكن أن يشكل الذكاء إهانةً للآخرين!

 





أحد الأصدقاء يستمع لأي شيء تقريباً، الموسيقى التصويرية للأفلام أو الإعلانات التجارية، أغاني عربية أو غربية أو هندية أو فارسية، شخص يعرف ما يريده سمعه، فينسجم مرةً مع الإيقاع، ومرةً مع اللحن، ومرةً مع الكلمات، المهم أنه يعرف كيف ينسجم مع أي شيء!


ذات مرةً خرجت معه وكان يستمع لأغنية عرفت لاحقاً أنها لفنان عراقي اسمه قاسم السلطان، واسم الأغنية (حرامات) أغنية تراجيدية ليست لافتة في ذاتها ولكن ما استوقفني وجعلني أتذكرها جملة وردت فيها (غيري وياك كان أشطر!) لتجعلني هذه الجملة أفكّر في الشطارة والشُطّار.


الذكاء هِبة عصيّة عن التبرير، النبوغ، الدهاء، العبقرية، هنالك ذكاء عادي قد تجده لدى الشخص البسيط حينما تتأمل طريقة عمله، وهنالك ذكاء ألمعي صاعق، يجعلك تشعر بالشفقة على نفسك.


في الأفلام مثلاً تتكرر جملة (توجد متعة في اكتشاف الخدعة، لكن توجد متعة مضاعفة في خِداع المخادع!)


هنالك أشخاص يفهمون الفكرة وهي (طايرة) لكن هنالك أشخاص يفهمونها (قبل أن تطير!)


السفسطائيين يقولون بأن الحق للأقوى، أو الحق يكمن في القوة. وعند فيكو على ما أظن؛ يقول بأن الضعيف يريد القوانين حتى تحميه من سطوة القوي. لكن لو أمعنت النظر في الأمر ستجد أن القوة والسطوة تكمن في الذكاء وأنّ الذكي يكره الأشياء التي تُؤطره، تجده متشككاً ومتفطناً للقيود التي تحاول تحجيمه، وتجده رغم كل شيء تنتج عن حركاته وسكناته حالة من السطوة تلفت الأعناق نحوه.


الذكي في الحالة الفعالة يقيم نفسه سيداً على الحق والحقيقة حتى ولو أنكر ذلك، حتى ولو رفض، سيتبعه الحق، وتنساق له الحقائق، كأنما تكون الحياة في مجملها موقف حِجاجي!


الذكي شخص يمتلك مصباحاً في ساحة مظلمة، يجتذب نحوه من لا يملكون أفكارهم الخاصة، ومن لا يمتلكون إرادتهم التي تخصهم.


لكن وبطريقة أو بأخرى، لا يوجد في هذه الحياة شيء كامل، يقول نيتشه (أبداً لا يعاقب المرء إلا بسبب فضائله!) وما قاله يتسع كثيراً للتفسير والتأويل.
فالذكي ومن يصعد سريعاً يجتذب الرياح التي تصرّ على كسره وحرفه عن مساره. الذكاء مثير للغيرة، ومثير للعداوات ومثير للحسد والحقد. أسهل طريقة لاصطناع عداوة هي بهدم أصنام الآخرين التي يقيمونها بدواخل ذواتهم.

أكبر صنم ينمو مع الإنسان هو الذاتية، وياله من موقف مهين أن يجد أحدهم كل الأفكار والمعتقدات التي قامت بداخله لفترات طويلة، كل تلك الحقوق التي كان يؤمن بأحقيتها، تُسلب وتُنسف في لحظة، وبسبب موقف جعل الأوضاع تنقلب رأساً على عقب.


علاوة على ذلك، ومن سنن الله في خلقه أن يولد كل إنسان بقوى معاكسة لقواه الدافعة، كل إنسان مولود بالشك في قيمته الذاتية، ولذلك أسماء وأحوال كثيرة، ليست العقد النفسية ولا التحيزات النفسية ولا استبداد الآخرين آخرها، ولا حتى ما يسمى بعقدة المحتال.


الكارثة الأكبر التي قد تنزل بالذكي هي مخادعته نفسه، وعند هذا المقلب بالذات يتحول الذكاء العبقري إلى غباء، ويكون الثمن عند هذه اللحظة باهظاً للغاية، والأضرار كارثية.. وبطريقة لا يمكن معها إصلاح ما نتج عن ذلك. وأخطر الأخطار التي قد تصيب الذكي هي تبرير أخطائه بدلاً من الاعتراف بها، وحينها يتبدل الحال عوضاً على الصعود إلى الهبوط والتحطّم!

هذا كل شيء ...

 


تعليقات

  1. "أسهل طريقة لاصطناع عداوة هي بهدم أصنام الآخرين التي يقيمونها بدواخل ذواتهم." ياسلام عليك :)

    ردحذف

إرسال تعليق

التعليق:

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

(نحو الجنوب) – (طعام، صلاة، حُبّ) سِيرة موجزة عن القبول والمقاومة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

طُرُقٌ سارت بي… لربما سِرتُ بها