لم يكتب بورخيس رواية قط، ومع ذلك تحكم سطوته عوالمها!
إن كنت لا تعرف خورخي لويس بورخيس، فلا بد أنه مرّ بك على نحو ما، عنوانٌ من عناوينه، أو خبرٌ عنه، أو أثرٌ له في عمل من الأعمال التي كُتبت في القرن العشرين. الرجل لم يؤلف رواية واحدة، وانشغل بالشعر والقصص القصيرة، وأتقن نحو ست لغات، وكانت قراءاته واسعة إلى حدٍّ بعيد. اتسمت حياته بالحزن، ولعل هذا ما أسهم في نجاحه شاعرًا، فكما أحب أن أقتبس، الشاعر شخص لا يخجل من معاناته. وحياة بورخيس كانت مليئة بها، فقد عرف الإخفاق في زواجه، وأصيب بالعمى في السنوات الثلاثين الأخيرة من عمره. أثّر أسلوبه في الأدب المكتوب بالإسبانية، وفي أدب الأمريكتين عمومًا، وتكاد لا تجد حرجًا عند كبار الكتّاب والروائيين وهم يتحدثون عن سطوته عليهم، وقد أشار إليه ماركيز بامتنان، وكأنه أراد القول إن أعماله امتداد لخط بدأه بورخيس. وظهر معه مصطلح "بورجيان "، وحين يُوصف عمل بهذا الوصف فهذا يعني أنه يأخذ القارئ إلى عوالم معقدة تتجاوز حدود الزمان والمكان المألوفة، وهو أسلوب أدبي وفلسفي فريد، مهّد لما سُمّي لاحقًا بالواقعية السحرية. لكن أهم ما يمكن أن يُقرأ له، في رأيي، هو محاضراته في هارفرد، على كرسي تشارلز إليوت ...