المشاركات

على قَدَر ...

صورة
  قبل ما يزيد عن عشرة أعوام، في إحدى المدن، وفي في شقة أصدقائي، كان الجو مفعمًا بحماسة لا تشبه شيئًا سوى فورة حماقات العمر الأولى. سهرنا حتى أغلقت مكاتب تأجير السيارات أبوابها، فقرر صديقي أن يتغيب عن عمله ويرافقني في الصباح. كان آخر عهدي به قبل أن نلتقي بسنة "غشيمًا" على نحو لا يوصف، لكنه حين حلّ بتلك المدينة تحوّل إلى "شوماخر"، يمشّط شعره اليابس الذي يشبه مارادونا، ويرتدي طقمه الرياضي البرتقالي بمطاطيات على الأكمام وكأنه سيذهب بي إلى سباق، لا إلى مقابلة.   حين وصلنا إلى المصنع الذي تقررت فيه مقابلتي بدأت الغرابة. مدير العمليات الذي سأقابله كان شخصية عجائبية، كان من ضمن الاجتماع الطويل الذي أُجبرنا على الانتظار للاستماع له من خلف الزجاج الشفاف، فقرة يسخر فيها من مدير الأمن والسلامة، الذي كان رجلًا مسنًا ضعيف الشخصية، كان يطالبه بتصميم بدلات سلامة جديدة للموظفين، ثم يأمره بالصعود على طاولة الاجتماعات والسير عليها أمام قرابة الثلاثين موظفًا، يطالبه بالدوران والسير فوق طاولة الاجتماعات تمامًا كعارضة أزياء ليعلقوا على التصميم الجديد. بقيت أنتظر ثماني ساعات كاملة، وص...

لماذا لم يكن عند العرب مثل هوميروس؟

صورة
  حينما كنت طفلًا، وكنا نذهب في الإجازات إلى القرية، كنا نبيت ليلًا على سطح منزل جدي الحجري، الذي كان يقع بين القلاع القديمة. وككل طفل، كنت أستوحش من الليل؛ فالكلاب تنبح، والديك يؤذّن فجأة، والحمير تنهق، والثعالب تضبح، والظلام دامس، وكل هذه الأصوات كانت تغذي في نفسي خوفًا من جنية القرية الأسطورية "حندودة". وكان التحذير الذي أسمعه دائمًا: انتبه، لا تعشقك حندودة فتصير مثل فلان، ذلك المسنّ الأعزب حادّ الطباع. كنت أسأل عن صفة حندودة، فيُقال لي إنها امرأة جميلة، بعينين خضراوين، وشعر أصفر، ولها حافر عنز. كان هذا الوصف يرعبني، لأني كنت أصدّقه حرفيًا كما هو. أدركت لاحقًا، حين كبرت، أن المقصود بشَعرها الأصفر وعينيها الخضراوين كناية عن كونها شقراء بارعة الجمال، لا الوصف المرعب الذي كنت أتخيله. ثم شاهدت لاحقًا حلقة "طاش ما طاش" (لا يوجد سوانا في البيت)، فزاد ارتعابي من هذه السردية، وصارت ترعبني كلما عدت إلى القرية. كبرت بعدها، وأدركت أن أسطورة الإنسان بحافر البهيمة قد تكون مروية شفاهية مرتبطة بقصة بلقيس، وتمريد سليمان عليه السلام في الصرح الذي عبرت عليه، حتى يستوضح إن كانت...

أن تتقن الطريق الخطأ!

صورة
  لم أكتب هذه التدوينة لأن لدي جوابًا، بل لأن سؤالًا واحدًا ظل يطاردني منذ أشهر: هل أواصل دراستي؟ أم أتجه إلى الاعتمادات المهنية؟ أم أنني أبحث في الاتجاه الخطأ أصلًا؟ وكلما حاولت الإجابة عن سؤال: "ماذا أتعلم؟"، عاد سؤال آخر يفرض نفسه: "وهل هذا هو الاتجاه الذي يستحق أن أنفق فيه سنوات من عمري؟". عندها أدركت أن القضية لم تعد قضية تعليم، بل قضية وقت مرتبطة بعلاقتي بوجودي أكثر من أي شيء آخر. ولم يكن هذا السؤال وليد الفراغ؛ فقد جاء في وقت امتلأت فيه المساحات بإعلانات الدراسات العليا والشهادات المهنية والدورات، وكأن المستقبل لا ينجو منه إلا من يحمل شهادة جديدة كل بضعة أشهر. حتى صرت أكاد أن أجزم بأن أغلب هذه الإعلانات تجارة في القلق من المستقبل لا استثمار في الإنسان. وكلما حاولت الإجابة عن سؤالي، وجدت أن المشكلة ليست في كثرة الخيارات المطروحة أمامي، بل في المعيار الذي أختار به بينها. فخلصت إلى أنّ المهارة الحقيقية التي لا يُنازعنا فيها الذكاء الاصطناعي ولن ينازعنا فيها في الأفق المنظور، ليست معرفة متفرقة، بل قدرة واحدة تتفرع منها كل القدرات والمهارات الأخرى: الحُكم في ح...

عن التأمل والجمال والخلاص، وأشياء أخرى...

صورة
    ضمن قصيدة صادفتها، وقفت على مقطع مبهر منها، كان يستحق أن أتوقف عنده:     "لن يحميك   طول المسافة   ستأتي طائرًا مفتونًا   ومنهكًا   إلى الضوء الأخير سيحرقك... مثل الفراشة!"   يمكن أن نشبه جميعًا الفراشات حين تغمرنا الحياة بمتاعبها وآلامها ومباهجها، حتى نصبح، بطريقة ما، تائهين في دواخلنا. كثيرون تفنى حياتهم ركضًا نحو أشياء لا يحبونها ولا تحبهم، ومع ذلك يستمرون في ملاحقتها، وكأن التوقف لم يعد خيارًا ممكنًا. ثمة جوانب مرعبة في هذا السعي الذي لا نحبه، سواء على المستوى المهني أو الاجتماعي، بل قد يمتد إلى أكثر مناطق حياتنا حساسية؛ في العلاقة الزوجية، أو مع الوالدين، أو الأبناء. عندها يصبح الإنسان كائنًا منهكًا، بالكاد يتصل بذاته، بالكاد يعرف وجهه، وبالكاد يعثر على البهجة في التفاصيل التي كان يحبها... أو يظن أنه كان يحبها. ثمة صنفان من البشر ينخرطان في الحياة على نحو خاطئ؛ صنف يستنزفه مراقبة ذاته، وصنف يستنزفه الانشغال بالعالم الخارجي. الأول يراقب نفسه حتى يعجز عن العيش، والثاني يوزع انتباهه على أشياء لا تعنيه، أو ل...

هل الأمر يستحق؟

صورة
  مؤخرًا انشغلتُ بحضور الأعراس والاستجابة للدعوات، وفي الوقت ذاته كنتُ أراقب الأشياء من حولي من طرفٍ خفيّ. لا أحب أن أُعلن أحكامي ما دام الأمر لا يتجاوز حدودي، وأستمتع حقًا بمراقبة الطريقة التي تسير بها الحياة. لم أكن هكذا حتى قبل قرابة العامين، حين تعرّفت على أنماط المواهب البشرية، فبتُّ أتقبّل ذاتي والآخرين بسماحية أكبر. صحيح أن ذلك لم يُلغِ الحسّ الحانق والناقد الذي يلازمني، لكنني، وعلى نحوٍ أفضل، صرت أفهم الآخرين وأتقبّل دوافع سلوكهم اللاواعية. عند مستوى الدوافع، لا أجد في الآخرين ما يستحق الانتباه من مشكلات. لكن هنالك هوّة تتسع بين الواقع والمألوف، هوّة تستحق التوقف عندها. هنالك حالة قسرية يمارسها الأفراد على ذواتهم للتعريف بها، ولفرضها، بل ولتصوّرها ومعرفتها. هنالك شذوذ غريب في طريقة تقديم الناس لأنفسهم، ولو نظرتَ إلى داخلك، لوجدتَ فيك هذه النزعة المريبة والمتناقضة لتقديم الذات. سابقًا كانت الجدارة تتحدث عن نفسها، وكانت الملكات والهبات الشخصية تُثبت ذاتها في المواقف. أما الآن فالجميع يحاول أن يُثبت لنفسه ما ليس لديه. وحتى حين يملك الإنسان شيئًا ما، فإنه يقدّمه بطريقة ...

عن الكتابة والكُتب والكُتّاب.. وأشياء أخرى أيضًا!

صورة
  إن كنت تكتب، فهذا أمر جيد للغاية، وإن كنت لا تكتب فهذا أمر في غاية الجودة. لا توجد هنالك كفّة راجحة لأفضلية من يقف عليها. الكاتب كائن متجاوز لوجوده، والقارئ كائن يختبر تجربة وجوده أكثر من مرة! أيًا كان شكل الكتابة، فهي عمل متجاوز وجميل وبديع، لكن الكاتب ليس كل شيء، وليس مبدعًا أصيلًا على نحو مطلق لما يكتب، هو أشبه بالحائك الذي ينسج الكثير من الأفكار والاقتباسات حتى تكون في بوتقة واحدة، ستكون لاحقًا نصَّه، والذي سيمتلك كل حرف فيه روحه التي تخصه ما إن يخرج من بديهة الكاتب نحو الوجود. قد يتمرد النص على صاحبه ويمتلك سطوته التي تخصه، ويتقاطع مع القارئ، ويحتمل من التفسيرات ما لم يعنيه الكاتب، وقد يبقى لصيقًا به، ويمتلك الكاتب وحده سلطة تفسيره وتبريره وشرحه وتعليله. هنالك كُتّاب يملكون من السطوة ما يجعلهم مؤثرين في أفكار القراء، وهنالك من الكتابات ما يؤثر في الكُتّاب. العوالم تتكشف أمام الكاتب أثناء فعل الكتابة، وسيسبر الكاتب دهاليز عوالم لم يكن يعرف عنها شيئًا قبل أن يبدأ بنظم الكلمات الأولى التي يفتتح بها عمله الكتابي! المفارقة العجيبة أن الإنسان لا يتعلم أثناء القراءة، بل يتع...

هل نعرف أنفسنا حقًا؟

صورة
  متوعكٌ مؤخرًا على نحوٍ مزعج. صبرت على ألمي أكثر من شهر، لكنني قررت أخيرًا أن أزور الطبيب. لم يحمل التشخيص مفاجآت تُذكر، ومع ذلك قررت أن أساير الأمر حتى آخره. يغلب على ظني أنني أفرطت في الإجهاد حتى امتد أثره إلى معدتي، وهذا أكثر تفسير أقتنع به حتى الآن. خرجت من المشفى، وتوجهت إلى الهايبر مول لأشتري بعض احتياجات المنزل. هناك لفتت انتباهي سيدة ليست بالصغيرة ولا بالكبيرة في السن، كانت تنتظر زوجها حتى ينتهي من دفع الحساب، وما إن عاد حتى أمسكت بيده وسارت إلى جواره، كأنها تخشى أن يفلت منها. بدا عليها قدرٌ كبير من الطمأنينة والرضا. لم يكن المشهد استثنائيًا، لكنه ظل يرافقني بقية اليوم. ليس لأنني أعرف شيئًا عن حياتها، ولا لأنني أتصور أنها تعيش حياة مثالية، بل لأن هذا المشهد البسيط أيقظ سؤالًا قديمًا: لماذا يبدو بعض الناس أكثر انسجامًا مع حياتهم، بينما يقضي الآخرون سنوات طويلة يحاولون فهم ما الذي يريدونه أصلًا؟ لكن السؤال الذي بقي عالقًا في ذهني كان أبسط من ذلك كله: هل نعرف أنفسنا حقًا؟ هل تتذكر أحلام طفولتك؟ هل تتذكر ما كنت تتوق إلى امتلاكه، وما كنت تُلحّ في طلبه؟ وهل تتذكر أنك كنت...