من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!
منذ
البارحة تتردد في ذهني هذه الجملة بلا سبب ظاهر: "من لم يزاحم بإرادته… أضرّ
بسكونه!" وهي للعالم الفرنسي غوستاف لوبون، ذلك المفكر الذي جمع بين رصانة
اللغة، وسعة الاطلاع، وقدرة تحليلية وتفكيكية نادرة. حتى إنني كثيراً ما أميل إلى
ترجيح آرائه في بعض المسائل على آراء سيغموند فرويد، خصوصاً في الجوانب التأسيسية
والأفكار التي لم تمسّها التأويلات الثقيلة بعد.
كان لوبون يرى أن الذات الإنسانية ليست وحدة
صلبة، بل هي خليط من عناصر متنافرة تتجاذب الإنسان في كل لحظة؛ عناصر من الطباع
والوراثة والبيئة والخلفية المعرفية وغيرها. وكل عنصر منها يسعى إلى فرض حضوره
بحسب قوته في اللحظة المعاشة.
ولهذا فإن الإنسان لا يكشف عن طبعه الأقوى إلا
في موقف حاسم أو حادثة فاصلة. وشواهد هذا المعنى كثيرة.
فـالحجاج بن يوسف الثقفي مثلاً، تُروى عنه قصة
الصفعة التي تلقاها في مكة، والتي يُقال إنها أيقظت في داخله نزعة القوة والبطش.
وفي الأدب الشعبي نجد مثال قصة أبو زيد الهلالي حين نشّط فيه عِرق من طبعه فغيّر
سلوكه في إحدى الغارات وجعلته ينكص على غير عادته. وحتى في الثقافة الحديثة، يمكن
أن نرى هذا التحول في شخصية مايكل كورليوني في فيلم The
Godfather، حين أخرجته الظروف من موقع الابن الهادئ
إلى موقع القائد الصلب.
من الحقائق الوطيدة أن الموقف الحياتي، في
جوهره، موقف إرادة. غير أن هذه الإرادة لا تظهر دائماً إلا عندما توضع في امتحان. فالإنسان
في حياته يمارس بالتناوب دورين: القائد والمنقاد (Drive/Driven).
انتظارك عند إشارة المرور مثلاً يعني انقيادك
لإرادة غيرك؛ إرادة رجل المرور الذي نظم حركة السير. لكن اختيارك أن تسير في
المسار الأيسر بأقصى سرعة نظامية، وغضبك من سائق يبطئ الطريق أمامك، هو تعبير عن
إرادتك أنت. ولعل في شعورك بالرضا حين يفسح لك أحدهم الطريق مثالاً صغيراً على لذة
إنفاذ الإرادة.
لكن مشكلة الإرادة أنها لا تكشف عن نفسها فقط،
بل تكشف عن أشياء أخرى كثيرة. أولها أن الإرادة هي مقياس الرغبات، والرغبات هي
الشيء الوحيد الذي يمكن أن تُعرّف به الذات. ولولا الرغبات، لضاع سؤال سقراط في
مذر الريح.
غير أن الإرادة تعاني من العادة. فالطرق التي
اعتدت أن تفكر بها أو تتصرف من خلالها قد تصبح حجاباً بينك وبين ما تريد. حين يفكر
الإنسان دائماً بطريقة مستقيمة عوضاً عن الحركة الفكرية الرشيقة، وبافتراضات جاهزة
ومعلّبة، فإنه يفقد القدرة على رؤية الفرص وإتاحة الفرصة للحظ أن يدخل إلى ساحة
الموقف لكي يمارس عمله. قال عبد العزيز بن زرارة:
وما
لبُّ اللبيبِ بغيرِ حظٍّ
بأغنى
في المعيشةِ من فتيلِ
رأيتُ
الحظَّ يسترُ كلَّ عيبٍ
وهيهاتَ
الحظوظُ من العقولِ
الحظ في نظري ليس مصادفة عمياء كما يظن
كثيرون. الحظ هو الجرأة مع الاستعداد، والمعرفة التامة بما يُراد.
تخيل أن تحاول جمع ماء المطر بكفٍّ مفرقة
الأصابع في منتصف الصيف. سيقال عنك مجنوناً. لكن الجرأة الحقيقية أن تستعد للمطر: أن
تعرف نصيبك منه، وأن تختار موسم هطوله، وأن تختار الأداة المناسبة لجمعه. حينها
سيقال عنك محظوظاً مع أنك لم تفعل شيئاً لافتاً سوى أنك أحسنت الاستعداد.
حتى هذه اللحظة يبدو الحديث عن الإرادة والحظ
منسجماً. لكن ماذا يحدث عندما تُنفَّذ الإرادة بالقوة، دون حق أو حقيقة؟
هنا تظهر المشكلة الأخلاقية. فصاحب الإرادة
القوية غالباً ما يمتلك رغبات شديدة، والرغبة إذا اشتدت قد تدفع صاحبها إلى تبرير
الوسائل التي توصله إلى غاياته.
بل قد يصل الأمر إلى أن يرى القوة نفسها
عدلاً. ولا خلاف على أهمية القوة، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح وسيلة للتأثير على إرادة
الآخرين. ولهذا شُرعت الشرائع، وأقيمت المحاكم، ونُظمت الأسواق، وسُنّت القوانين لكي
لا تتحول القوة إلى أداة للظلم بدعوى الحق والحقيقة والعدالة.
تُنسب عبارة "الغاية تبرر الوسيلة"
عادةً إلى نيكولو مكيافيلي، وإن كنت أميل إلى الاعتقاد بأن الفكرة أقدم منه. ومع
ذلك فقد عبّر عنها بوضوح في كتابه الأمير.
كان مكيافيلي يرى أن على الأمير أن يبقي الناس
بين الخوف والرغبة والرهبة، لأن هذه المشاعر هي الوسيلة الأكثر فاعلية للتأثير
فيهم. وكان ينصحه بأن يكون ثعلباً أكثر منه أسداً، وأن يهتم بالمظاهر، لأن الناس في
رأيه لا يرون إلا الظاهر، ولا يكترثون كثيراً بالجوهر.
لقد حاول مكيافيلي أن يوفق بين الإرادة والحظ
والواقع. فمن يملك حظاً عليه أن يصنع واقعه، ومن يملك واقعاً جيداً عليه أن يصنع
لنفسه حظاً أفضل. غير أن الحظ كما وصفه تيار جارف، طحوم وطاغٍ، قد يكون نعمة أو
نقمة. بل إنه شبّه الحظ بالمرأة التي تستسلم للغاضبين والجريئين والمتسلطين أكثر
مما تستسلم للرصينين والوقورين.
والحقيقة أن هناك متغيراً ثالثاً، أقوى من
الإرادة والحظ معاً:
النصيب/القدر.
ذلك الشيء الحتمي الذي لا فكاك منه. أحياناً
تكون قوة الإرادة نفسها سبب الهلاك، وأحياناً يكون الحظ الوفير علامة على قِصر
العمر. كل حظ يتبع الاستعداد، وكم من حظ دون استعداد يؤدي إلى مهلكة، كم من شخص
حينما امتلك المال مثلاً طغى وتجبّر، وكم من شخص حينما مكنّ من منصب أفسد في
الأرض، المكتوب سيحدث في اللحظة المناسبة تماماً والواجب فقط هو الاستعداد بشكل
جيد له، يقول عوام القُرى "إذا أراد الله أن يهلك النمل، وهبه أجنحة!"
كان ميشيل دي مونتين يرى أن الرجل إذا بلغ
شهرة أو جاهاً أو مالاً كبيراً قبل الأربعين، فالأحرى أن يُخاف عليه؛ لأن هذا الحظ
قد يكون أمارة قِصر حياته. لهذا تقاعد مونتين مبكراً، رغم مكانته وثروته. والمفارقة
أنه عاش بعد تقاعده زمناً طويلاً، لكنه ترك وراءه هذه الفكرة الجميلة التي تستحق
التأمل.
أخيراً
الحياة تتحرك أحياناً حينما نتوقف عن ملاحقتها
ومراقبتها.
وهذا كل
شيء ...
.jpeg)
ياخي شكراً، كلامك حلو.
ردحذفأختلف معك في "....الرغبات هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن تُعرّف به الذات".
ردحذفالإنسان يُعرّف بما يؤمن به، لا بما يرغب فيه. قد يرغب شخص في شيء لكنه يرفضه لأنه يتعارض مع قيمه (الدينية أو الاخلاقية الوضعية). فهل نعرّفه برغبته أم بموقفه الأخلاقي؟
أنا اميل الى أن أن الذات تعرّف بالتحكّم في الرغبات و ليس من الرغبات نفسها.