هل تتذكر متى فقدت براءتك؟
بدأ
العام الدراسي، وبدايات الأعوام الدراسية عبء لكل الآباء، ولعلي من القِلة القليلة
التي تفشل في التعامل بعاطفية مع أبنائها، إذ أُفرط في عقلنة تفاعلاتي اليومية
معهم، وفي الوقت ذاته أولي غاية الأهمية لتأمينهم عاطفيًا ضد الخيبات والفشل،
وأحفزهم لاكتساب أكبر قدر ممكن من الخبرات في أقصر حيز زمني ممكن.
التحقت
ابنتي "ترف" بالمدرسة أخيرًا، وبقي معي أصغر أبنائي ذو الأربعة أعوام
والنصف، وهو دائمًا ما يخوض معارك صعبة مع شقيقته التي تكبره، لكني أتسامح مع هذه
العراكات اليومية لأنها ضرورية لنموهم، كما أن العلاقة المضطربة بين التُبع علاقة
شائكة بين حب وحقد، لكنها ستؤول أخيرًا إلى محبة خالصة. المهم؛ بقي معي الصبيّ
ريثما تُكمل شقيقته يومها الأول، فذهبنا إلى البقالة، وكان يسير بحقيبة بلاستيكية
يملؤها بالأشياء التي يختارها بعناية: هذه لترف، وهذه لفلان، وهذه لفلان، حتى جعل نفسه
آخر شخص يختار لنفسه. وحينما عدنا إلى السيارة، قال لي بصدمة: "نسيت أشتري
لك!"
الموقف بريء للغاية، واستطعت أن أُقنعه بأني ممنوع من أكل الحلوى. انتهى اليوم الدراسي الأول، وعاد البقية إلى المنزل، وحينما كنت أساعدهم في تنظيم الحقائب، اكتشف ابني الكبير أنه أضاع كتاب الرياضيات، فسألني إن كنت أستطيع أن أشتري له كتابًا آخر. لكني وجدت الفرصة مواتية تمامًا حتى أجعله يتلقى صدمة معرفية حيال نفسه والآخرين، ونجحت في ذلك، إذ ضغطت عليه بنبرتي الهادئة حتى بدا مكروبًا. وكنت أحاول أن أجعله يحرص أكثر حينما يُعير كُتبه إلى الآخرين، فلربما يكون صديقه قد أضاع كتابه، وأراد الاستعاضة عنه بكتاب مجاني ممن لا يستطيع بدافع اللباقة أن يتهم الآخرين أو يشك فيهم بإضاعة أو سرقة كتابه.
قد يكون
من المبكر للغاية أن أُخبر طفلًا معلومة أدركها معاوية بن أبي سفيان على حِدة
ذكائه في كِبره؛ فحينما سُئل رضي الله عنه: ما بلغ بك عقلك؟ قال: لا أضع ثقتي في
أحد!
هنالك
بَون كبير بين عدم الثقة وبين التحقق والتوثق؛ إذ اختلاف النوايا خيانة وخبث، أما
اختلاف الدوافع فهو الذي يستحق التحقق أكثر. فقد نستطيع أن نستبين حكمنا على قضية،
لكننا سنفشل ولو على نحو بسيط في معرفة كَنه دافع هذا الحكم. وكذلك الآخرون؛ لماذا
يتصرفون معنا بكيفية معينة؟ قد ندرك الكيفية ونفهمها، لكننا سنفشل في معرفة الدافع
على نحوِ وثيق.
ولكن ليت
الأمر يتوقف عند معرفة الدوافع؛ فقد نفرض العديد من الاحتمالات، وقد تكون منطقية
للغاية، لكن ماذا عن الدوافع المعقدة؟ ماذا عن الدوافع الخبيثة والسقيمة؟ ماذا عن
العاهات العقلية والنفسية؟ فلن تنتهي الصدمات، لأن الإنسان ينسى أو يغفل، مدفوعًا
في كل مرة بدافع الخوف أو الطمع؛ فقد لا يجعلنا نرى الدافع بوضوح خوفنا من تضرر
صداقة أو علاقة أو أي نوع من المخاوف، وقد يجعلنا أيضًا لا نرى الدوافع بوضوح حالةٌ
من الطمع في علاقة طيبة، أو صداقة دافئة، أو أي نوع من أنواع المطامع.
لن أحمل
الأمر على محمل التشاؤم كما حكم شوبنهاور، بأن الآخرين، كل الآخرين، مدفوعون
بدوافع أنانية للغاية، فحتى من يحبنا سيحبنا لأسباب تخصه هو لا تخصنا نحن؛ فهنالك
من يحب بدافع الرغبة في الشعور بالعطاء، وبدافع الرغبة في الشعور بالقدرة، ولا
تنتهي الدوافع الأنانية عند البشر!
لحظة
فقدان البراءة هي لحظة تتعارض فيها قناعاتنا التي كوّناها عن ظاهر الأشياء مع
إدراكنا للجوهر الخفي، الذي سيبدو كحقيقة قاسية ومزعجة، لأن الأمر كان واضحًا
أمامنا منذ البداية، لكننا اخترنا التعامي عنه!
والحقيقة
المزعجة هي أن علينا أن نتعايش مع فكرة أننا نمارس أدوارًا وظيفية تُشبع أنانية
الآخرين، وأن الآخرين أيضًا يؤدون أدوارًا لإشباع حاجاتنا الأنانية.
عموماً: الخبر
اللطيف بعد كل هذا، أنه حينما عاد أبنائي من المدرسة استقبلهم شقيقهم الأصغر
ليخبرهم بنبرته الجادة بأنه اشترى لهم كل ما يحبون، مشترطًا عليهم أن يتمثلوا
لأوامره حتى يشتري لهم مرة أخرى. والخبر الجيد الآخر أن ابني اتصل بصديقه، الذي
أكد له أن الكتاب معه وسيحضره إلى المدرسة.
لعل
الحياة بريئة، لكني أفرط في نقد الواقع، ولعله العكس!
هذا كل
شيء ...

تعليقات
إرسال تعليق
التعليق: