المشاركات

كل شيء ممكن... لكن ليس كما تتوقع!

صورة
  أملك طبعًا متأملًا؛ يستحيل أن يمر بي شيء دون أن أستوفي داخلي أفكاري وخيالاتي عنه. أصنع تصورات، ثم أُطلق أحكامي غير المعلنة على الأشياء... وأمضي، أو على الأقل أحاول. هناك أشياء في الحياة تُفهم لكن لا توجد استعارة تكفي لوصفها. أو لعلني لم أعثر بعد على الاستعارة المناسبة، وإلا فمن المؤكد أن ثمة من هو أذكى مني، وقد أدرك الأمر على نحو أعمق، وكانت كُلفة التجربة عنده أكبر. كنت أردد دائمًا: "إذا وجدت مقادير طبخة حياتك، فلا تغيّرها." ثم وقفت، بعد سنوات، على أثرٍ أورده السيوطي رحمه الله في «الدرر المنتثرة»، ومعناه: "من بورك له في شيء فليلزمه." عندها شعرت أنني كنت أبحث عن هذا المعنى منذ زمن، دون أن أعرف اسمه. فالبركة لا تكون في الأشياء الكبيرة وحدها؛ قد تكون في رفقة، أو عادة صغيرة، أو في أسلوب خاص في عيش الحياة. وإذا وجدت شيئًا يورثك السكينة ويستقيم معه أمرك، فلا تفرط فيه طمعًا في صورةٍ تتخيل أنها أفضل. غير أن لزوم البركة لا يعني عبادة المألوف، كما أن التغيير ليس فضيلةً في ذاته. فالحياة لا تكافئ القفزات بقدر ما تكافئ التدرج. وما يستحق أن يتغير، فليتغير ببطء، حتى لا تخس...

فهمك ليس شرطًا لوجود المعنى!

صورة
  كثيرون هم حولنا، منخرطون في الحياة، حينما تنظر إليهم تظنهم بلا الآلام ولا أحلام ، ولا يسألون عن شيء. وحين نسألهم عن أنفسهم، يبتسمون ويقولون: الحمد لله. يعنون شيئًا آخر تمامًا، شيئًا لا اسم له بالضبط، وهو أن الحياة تجري وهم يجرون معها دون أن يطالبون بالتفسيرات ، لا يجزعون على فات، ولا يهلعون على ماهو قادم! في حين أن من يملك وقتًا أكثر، ومعلومات أكثر، وخيارات أكثر يضيع الكثير من عمره يطالب الحياة بما لم تَعِده به أصلًا: فهم سر تأخر الأشياء، وسر حضورها، وأسرار كل الأشياء التي لم يفهمها. في قصة الخضر شيءٌ يُزعج العقل ولا يُريحه: أن الحكمة موجودة حتى حين لا تُرى. السفينة خُرقت لتُنجى. الغلام أُخذ لتظل الأسرة. الجدار أُقيم لأطفال لن يعرفوا أن أحدًا أقامه. ثلاثة أحداث، ثلاثة أوجه للحكمة؛ واحدة تتكشف بعد حين، وأخرى تستوجب الرضا دون أن يرى صاحبها ما كسب، وثالثة لن يعلمها من وقعت عليه أبدًا. وكأن القصة تقول ببساطة مزعجة: فهمك ليس شرطًا لوجود المعنى . بعد إزالة كل طبقات الغموض التي تحيط بالقلق، نجد أربعة أفكار قديمة تحضر دائماً عند الإنسان منذ آلاف السنين: الموت، والفراغ، والحرية، وا...

نخرج من بطون أمهاتنا إلى بطن الدنيا، ولم يكتمل مخاضنا بعد!

صورة
  أطفالي يعرفون كل مهارات "النذالة" والعباطة والمحاججة، ولهم ألعابهم وقضاياهم التي تهمهم. وحدها طفلتي تلك، حينما أدخل المنزل، تنظر إلى القلم في جيب صدري مثلما ينظر إخوتها إلى الحلويات؛ وحدها التي تحب أن تراقب شكل الحبر وهو ينساب على خد الورقة الأبيض، وحدها التي تكتب وترسم بخط بديع حتى قبل أن تدخل المدرسة. أحب براءتها وبراءة نظرتها للحياة، وأشعر بشيء من القلق؛ لأن الحياة ليست بريئة على الإطلاق كما نظن! لا أحد يتذكر متى سقط الإنسان في السذاجة، ومتى بدأ يعتقد أن الأشياء حسنة النوايا. لا أحد يعرف متى توقف الإنسان عن الاحتراس من كنه الأشياء الذي يتكشّف في لحظات المنافسة، والطمع، والقوة، والشهوة، والغيرة، والحسد. فـ "الإنسان مبتلى، ومبتلى به!"، كما يقول ابن القيم. طيلة الفترة الماضية، كنت وما زلت أشعر ببقايا شعور غامض بالأسف، لكني لا أعرف لماذا، ولم أجرؤ على سؤال غيري عما إذا كان يشعر بذلك، ولم أصرح بهذا لقريب ولا بعيد؛ ظننته شعوراً عابراً بالكآبة، أو ناتجاً عن فقدان الطاقة الجسدية وحالة إعادة البناء التي يقوم بها جسدي بسبب التمارين أو الحمى التي عبرت بي. لكني بدأت أج...

أن تعيش بشغف يعني أن تدرك أن جوهر كل أنواع الشغف هو أن تبقى دائماً في خطر!

صورة
  لم يكن في بالي أن أكتب اليوم، بل كنت أنوي تأجيل الكتابة إلى أجل لا أعرفه، لكن الفكرة اشتعلت في رأسي كقنديل صغير حينما قرأت خبراً جديداً يتحدث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي. لا أخفيكم أنني ما زلت غاضباً؛ فقد خسرت بعض المال في أسواق الأسهم بسبب غباء بعض المساهمين الذين يصدقون كل موجة وكل هبّة. أكثر ما يتحدث عنه الناس اليوم هو أن العالم قد يفقد قدرته على توليد الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، وكأن هؤلاء ينسون أن الرفاه البشري لا يمكن أن يستمر دون المال، وأن قيمة الأشياء لا تنشأ إلا من الندرة. كلما توفر الشيء انخفضت قيمته، وكلما ندر ارتفعت قيمته. الأمر بهذه البساطة. لا يمكن أن تعيش البشرية في رفاهية كاملة دون عمل أو رواتب أو تقايض للمنافع تتولد عنه قيمة الأشياء. نعم، توجد مخاطر أخرى بالطبع، لكنها ليست ما أريد الحديث عنه اليوم. حينما ظهر الإنترنت ثم انفجرت فقاعة شركاته، امتلأ العالم بالتحذيرات. قيل يومها إن الكوارث قادمة، وإن المجتمع سيتغير إلى الأسوأ، وإن الاقتصاد لن يتعافى. حدثت بعض الأضرار فعلاً؛ صار بعض الناس أكثر سطحية، وانخفض عمق المعرفة في أحيان كثيرة، لكن الحياة أصبحت أسهل، وحُل...

"الأعمار ما يُرجى لهن رجوع" عن القرى والاحتمالات... وأشياء أخرى!

صورة
  أثناء عودتي من الإجازة إلى جدة، وتحديداً على مفرق مركز الشواق في الساحل، شاهدت حداداً اسمه آدم يعمل في القرية عائداً من إجازته إلى القرية. وجه قديم ومألوف للغاية في القرية، لا يزال يعمل فيها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، يعرف الجميع ويعرفه الجميع.   كان يواجه لفح الشمس برشاقة، ولا أظنه يستجر الذكريات كما أفعل. يعرف أغلب أهل القرية، الأحياء والأموات ممن أدركهم. حضر تقريباً أغلب الزواجات؛ لأنه كان ينصب الأعمدة الحديدية التي تُعلّق عليها عقود الإنارات الصفراء.   شاهدته يكابد الاحتمالات كلما مرت به سيارة ولم تتوقف له، كان ينظر إليها حتى تغيب، لعله كان يتوقع أن تتوقف له أو تعود إليه، ولعله كان يحاول تخمين من يكون أصحاب السيارات العابرة.   الحياة صارت في غاية السوء منذ أن بات البشر يتنبؤون بكل شيء، وليت التنبؤات تصدق! هنالك تنبؤات بالأمطار، وتنبؤات اقتصادية، وتحليلات سياسية، وفي كل مكان تقريباً تجد التوقعات والتنبؤات.   وفي أمر التنبؤات والنبوءات الكثير من السعة للحديث؛ فالنبوءات السيئة تقع، والحسنة لا تحدث إلا فيما ندر. صراع الإنسان الأساسي، وسبب معانات...

تموضع!

صورة
  منذ قرابة أسبوعين لم أحاول إكراه نفسي على القراءة أو الكتابة، مررت بثلاثة كتب متتالية بعناوين براقة للغاية، لكنها في النهاية لم تكن أكثر من أفكار عادية تمت صياغتها بثقة عالية. يدهشني دائمًا كيف يستطيع البعض منح أفكارهم هالة الاكتشاف العظيم، بينما الفارق الحقيقي أحيانًا ليس العمق، بل الجرأة على التقديم، والثقة الكافية لإقناع الآخرين بأن ما يُقال استثنائي. ننضج حين نتوقف عن استنكار الأشياء. هنالك مرحلة نصاب فيها بحمى الفضول، نستغرب كل شيء، نرفض، نستنكر، ونستهجن، ثم مع الوقت نصل إلى قناعة مختلفة؛ أن الغريب ليس الاستثناء، بل الأصل نفسه. وأن الألفة مجرد اعتياد طويل على غرابة مستمرة. وهذا ربما ما يجعل الحياة سلسلة لا تنتهي من الصراع مع المعنى، ومع الذات، ومع الآخرين أيضًا. لم أتوقف عن التأمل، ولا أظنني سأفعل، لكنني وصلت إلى حالة من الاكتفاء المؤقت. شاهدت من الأفلام ما يكفي، وقرأت من الكتب ما يكفي، وتحدثت بما يكفي، واستمعت كذلك بما يكفي. حتى الضجيج الفكري نفسه يفقد بريقه حين يفيض عن حاجته. الآن يمكنني أن أسمح لنفسي بالدهشة مجددًا، لا بدهشة الباحث المتوتر عن معنى، بل بدهشة شخص يج...

مِن الآخر .. يعني!

صورة
    كنت ألعب الشطرنج مع أطفالي. ابني الأكبر يلعب باحتراف، هادئ جداً، لا يحتفل، لا يصرخ، ويتصرف وكأنه رجل أعمال يدير صفقة لا مباراة. أما ابني الذي يليه فعكسه تماماً؛ يحتفل قبل أن ينتصر، يهدد، يرعد ويزبد، ويتهم الجميع بالتآمر إذا خسر، وإذا فاز أعاد الحديث عن انتصاره حتى يوشك أن يقنعني أنه هزم "كاسباروف" نفسه! المفارقة العجيبة أنني أهزم الأول بسهولة، بينما الثاني رغم فوضويته وبساطة أسلوبه يدخلني أحياناً في حالة (كش ملك) بحصان تائه أو فيل جاء من زاوية لا تُحسب. أعرف السر؛ طفلي الأول يهابني ويحترمني أكثر مما ينبغي، والثاني لا يمنحني هذه الهالة إطلاقاً، ويدخل اللعب وكأنني مجرد خصم عادي يمكن إسقاطه. وهنا كانت فرصة جيده لأشرح لهما شيئاً مهماً: الاحترام الزائد لا يصنع أخلاقاً فقط، بل يصنع تردداً أيضاً. بعض الناس لا يخسرون لأن خصومهم أقوى، بل لأنهم أقنعوا أنفسهم بذلك قبل البداية. هذا لا يعني أن تحتقر الناس، لكن أثناء المنافسة تحديداً، إذا لم تُسقط شيئاً من رهبة الآخر داخلك فلن تستطيع مجاراته؛ فالهيبة الزائدة تشلّ، أما الجرأة فتعطي العقل مساحة ليرى الفرص. أذكر قصة قديمة من القرى...