المشاركات

هل تتذكر متى فقدت براءتك؟

صورة
  بدأ العام الدراسي، وبدايات الأعوام الدراسية عبء لكل الآباء، ولعلي من القِلة القليلة التي تفشل في التعامل بعاطفية مع أبنائها، إذ أُفرط في عقلنة تفاعلاتي اليومية معهم، وفي الوقت ذاته أولي غاية الأهمية لتأمينهم عاطفيًا ضد الخيبات والفشل، وأحفزهم لاكتساب أكبر قدر ممكن من الخبرات في أقصر حيز زمني ممكن.   التحقت ابنتي "ترف" بالمدرسة أخيرًا، وبقي معي أصغر أبنائي ذو الأربعة أعوام والنصف، وهو دائمًا ما يخوض معارك صعبة مع شقيقته التي تكبره، لكني أتسامح مع هذه العراكات اليومية لأنها ضرورية لنموهم، كما أن العلاقة المضطربة بين التُبع علاقة شائكة بين حب وحقد، لكنها ستؤول أخيرًا إلى محبة خالصة. المهم؛ بقي معي الصبيّ ريثما تُكمل شقيقته يومها الأول، فذهبنا إلى البقالة، وكان يسير بحقيبة بلاستيكية يملؤها بالأشياء التي يختارها بعناية: هذه لترف، وهذه لفلان، وهذه لفلان، حتى جعل نفسه آخر شخص يختار لنفسه. وحينما عدنا إلى السيارة، قال لي بصدمة: "نسيت أشتري لك!"   الموقف بريء للغاية، واستطعت أن أُقنعه بأني ممنوع من أكل الحلوى. انتهى اليوم الدراسي الأول، وعاد البقية إلى المنزل، وحين...

كُلُّنا قابيل، لكنّ الميت هذه المرة ليس هابيل!

صورة
  لعلك شاهدت فيلم Sentimental Value ، فخواكيم ترير مبدعٌ في التقاط تفاصيل إنسانية تستلزم حساسية عالية تجاهها. هنالك لقطة تظهر فيها (نورا) بعدما عرفت بأنّ أباها يعتزم بيع المنزل الذي عاشت فيه سعيدة مع عائلتها، فتقف بجمود، تُحملق في الجدران ويسرح نظرها فيها. لا يوجد إنسان لا يعزّ عليه فراق شيء، حتى ولو كان يكرهه. هنالك مدن خرجنا منها ونحن ننظر إلى الوراء، وفي صدورنا شعور موغل بحالة من التحسّر على أشياء لم نفهمها بعد. نحن نغادر الأشياء، لكنها لا تغادرنا. في كل مرة نعيد فيها ترتيب مسارح حياتنا الشخصية ومتاحفها، نواجه صعوبة بالغة في التخلي عن التالف. وفي كل مرة نقف فيها أمام الملابس القديمة وملاءات الفرش القديمة، نجد الشعور نفسه. دخلنا إلى الحياة بصراع حاد بين يقين ورغبة؛ اليقين بأنّنا لن نخرج منها بشيء، والرغبة في ألّا نتخلى عن شيء. ولا يتوقف الأمر هاهنا، فحتى مع الأشخاص الذين تغيّرت بهم الدنيا وتقادم بهم الزمن، تبقى الذاكرة رحيمة بنا: فرغم الهبة العظيمة التي وُهبناها حتى لا نختزن كل الصور التي عرفناها للأشخاص، تحفظ لنا خاصية إزاحة الذاكرة آخر صورة للوجوه التي نراها. وإلا كيف س...

مقاومة معلنة للعبور نحو العالم الآخر!

صورة
في آخر الوادي العظيم الذي استحال إلى أكبر مقبرة معروفة في المنطقة، تقع قلعة حراسة عظيمة اسمها "الطرف"، كامل القلعة ترتكز في شاكلتها على حجر صغير للغاية لا يتجاوز حجمه حجم كرة قدم، بجوار قلعة أخرى اسمها "المشيّد" بجدر مُشوّك بالحجارة. كانت القلعة كما تثبت كل الشواهد البصرية بأنها كانت سجنًا، وأن ذلك التشويك كان لمنع الآخرين من تسلّق الحصن لإخراج الأسرى، ولمنع الأسرى من الخروج من السجن. هنالك نقوش في أعالي الجدران على ارتفاعات شاهقة تثبت أنه كان هنالك قرية عظيمة، لكن الأجيال المتعاقبة قامت بتفكيك المنازل الحجرية حتى تبني لأنفسها منازلها الخاصة. كان يعرف كل سكان القرى المجاورة لوادي المقبرة العظيم الذي يتجاوز طوله الثلاثة أميال الموعد الذي يزفر فيه صاحب القبر الوحيد على "قَزَعة مريم" تلك الهضبة الصخرية الصغيرة التي يقع فوقها قبر وحيد، لا أحد يعرف من هي مريم التي سميت تلك الهضبة باسمها، ولا أحد يعرف من يكون صاحب القبر الذي يزفر منتصف الليل من الثاني والعشرين من أغسطس كل عام! يوم الثاني والعشرين من كل عام هو اليوم الذي بات يكرهه كل السكان المحليين، لقد هجروا ال...

على قَدَر ...

صورة
  قبل ما يزيد عن عشرة أعوام، في إحدى المدن، وفي في شقة أصدقائي، كان الجو مفعمًا بحماسة لا تشبه شيئًا سوى فورة حماقات العمر الأولى. سهرنا حتى أغلقت مكاتب تأجير السيارات أبوابها، فقرر صديقي أن يتغيب عن عمله ويرافقني في الصباح. كان آخر عهدي به قبل أن نلتقي بسنة "غشيمًا" على نحو لا يوصف، لكنه حين حلّ بتلك المدينة تحوّل إلى "شوماخر"، يمشّط شعره اليابس الذي يشبه مارادونا، ويرتدي طقمه الرياضي البرتقالي بمطاطيات على الأكمام وكأنه سيذهب بي إلى سباق، لا إلى مقابلة.   حين وصلنا إلى المصنع الذي تقررت فيه مقابلتي بدأت الغرابة. مدير العمليات الذي سأقابله كان شخصية عجائبية، كان من ضمن الاجتماع الطويل الذي أُجبرنا على الانتظار للاستماع له من خلف الزجاج الشفاف، فقرة يسخر فيها من مدير الأمن والسلامة، الذي كان رجلًا مسنًا ضعيف الشخصية، كان يطالبه بتصميم بدلات سلامة جديدة للموظفين، ثم يأمره بالصعود على طاولة الاجتماعات والسير عليها أمام قرابة الثلاثين موظفًا، يطالبه بالدوران والسير فوق طاولة الاجتماعات تمامًا كعارضة أزياء ليعلقوا على التصميم الجديد. بقيت أنتظر ثماني ساعات كاملة، وص...

لماذا لم يكن عند العرب مثل هوميروس؟

صورة
  حينما كنت طفلًا، وكنا نذهب في الإجازات إلى القرية، كنا نبيت ليلًا على سطح منزل جدي الحجري، الذي كان يقع بين القلاع القديمة. وككل طفل، كنت أستوحش من الليل؛ فالكلاب تنبح، والديك يؤذّن فجأة، والحمير تنهق، والثعالب تضبح، والظلام دامس، وكل هذه الأصوات كانت تغذي في نفسي خوفًا من جنية القرية الأسطورية "حندودة". وكان التحذير الذي أسمعه دائمًا: انتبه، لا تعشقك حندودة فتصير مثل فلان، ذلك المسنّ الأعزب حادّ الطباع. كنت أسأل عن صفة حندودة، فيُقال لي إنها امرأة جميلة، بعينين خضراوين، وشعر أصفر، ولها حافر عنز. كان هذا الوصف يرعبني، لأني كنت أصدّقه حرفيًا كما هو. أدركت لاحقًا، حين كبرت، أن المقصود بشَعرها الأصفر وعينيها الخضراوين كناية عن كونها شقراء بارعة الجمال، لا الوصف المرعب الذي كنت أتخيله. ثم شاهدت لاحقًا حلقة "طاش ما طاش" (لا يوجد سوانا في البيت)، فزاد ارتعابي من هذه السردية، وصارت ترعبني كلما عدت إلى القرية. كبرت بعدها، وأدركت أن أسطورة الإنسان بحافر البهيمة قد تكون مروية شفاهية مرتبطة بقصة بلقيس، وتمريد سليمان عليه السلام في الصرح الذي عبرت عليه، حتى يستوضح إن كانت...

أن تتقن الطريق الخطأ!

صورة
  لم أكتب هذه التدوينة لأن لدي جوابًا، بل لأن سؤالًا واحدًا ظل يطاردني منذ أشهر: هل أواصل دراستي؟ أم أتجه إلى الاعتمادات المهنية؟ أم أنني أبحث في الاتجاه الخطأ أصلًا؟ وكلما حاولت الإجابة عن سؤال: "ماذا أتعلم؟"، عاد سؤال آخر يفرض نفسه: "وهل هذا هو الاتجاه الذي يستحق أن أنفق فيه سنوات من عمري؟". عندها أدركت أن القضية لم تعد قضية تعليم، بل قضية وقت مرتبطة بعلاقتي بوجودي أكثر من أي شيء آخر. ولم يكن هذا السؤال وليد الفراغ؛ فقد جاء في وقت امتلأت فيه المساحات بإعلانات الدراسات العليا والشهادات المهنية والدورات، وكأن المستقبل لا ينجو منه إلا من يحمل شهادة جديدة كل بضعة أشهر. حتى صرت أكاد أن أجزم بأن أغلب هذه الإعلانات تجارة في القلق من المستقبل لا استثمار في الإنسان. وكلما حاولت الإجابة عن سؤالي، وجدت أن المشكلة ليست في كثرة الخيارات المطروحة أمامي، بل في المعيار الذي أختار به بينها. فخلصت إلى أنّ المهارة الحقيقية التي لا يُنازعنا فيها الذكاء الاصطناعي ولن ينازعنا فيها في الأفق المنظور، ليست معرفة متفرقة، بل قدرة واحدة تتفرع منها كل القدرات والمهارات الأخرى: الحُكم في ح...

عن التأمل والجمال والخلاص، وأشياء أخرى...

صورة
    ضمن قصيدة صادفتها، وقفت على مقطع مبهر منها، كان يستحق أن أتوقف عنده:     "لن يحميك   طول المسافة   ستأتي طائرًا مفتونًا   ومنهكًا   إلى الضوء الأخير سيحرقك... مثل الفراشة!"   يمكن أن نشبه جميعًا الفراشات حين تغمرنا الحياة بمتاعبها وآلامها ومباهجها، حتى نصبح، بطريقة ما، تائهين في دواخلنا. كثيرون تفنى حياتهم ركضًا نحو أشياء لا يحبونها ولا تحبهم، ومع ذلك يستمرون في ملاحقتها، وكأن التوقف لم يعد خيارًا ممكنًا. ثمة جوانب مرعبة في هذا السعي الذي لا نحبه، سواء على المستوى المهني أو الاجتماعي، بل قد يمتد إلى أكثر مناطق حياتنا حساسية؛ في العلاقة الزوجية، أو مع الوالدين، أو الأبناء. عندها يصبح الإنسان كائنًا منهكًا، بالكاد يتصل بذاته، بالكاد يعرف وجهه، وبالكاد يعثر على البهجة في التفاصيل التي كان يحبها... أو يظن أنه كان يحبها. ثمة صنفان من البشر ينخرطان في الحياة على نحو خاطئ؛ صنف يستنزفه مراقبة ذاته، وصنف يستنزفه الانشغال بالعالم الخارجي. الأول يراقب نفسه حتى يعجز عن العيش، والثاني يوزع انتباهه على أشياء لا تعنيه، أو ل...