هل نعرف أنفسنا حقًا؟
متوعكٌ مؤخرًا على نحوٍ مزعج. صبرت على ألمي
أكثر من شهر، لكنني قررت أخيرًا أن أزور الطبيب. لم يحمل التشخيص مفاجآت تُذكر،
ومع ذلك قررت أن أساير الأمر حتى آخره. يغلب على ظني أنني أفرطت في الإجهاد حتى
امتد أثره إلى معدتي، وهذا أكثر تفسير أقتنع به حتى الآن.
خرجت من المشفى، وتوجهت إلى الهايبر مول
لأشتري بعض احتياجات المنزل. هناك لفتت انتباهي سيدة ليست بالصغيرة ولا بالكبيرة
في السن، كانت تنتظر زوجها حتى ينتهي من دفع الحساب، وما إن عاد حتى أمسكت بيده
وسارت إلى جواره، كأنها تخشى أن يفلت منها. بدا عليها قدرٌ كبير من الطمأنينة
والرضا.
لم يكن المشهد استثنائيًا، لكنه ظل يرافقني
بقية اليوم. ليس لأنني أعرف شيئًا عن حياتها، ولا لأنني أتصور أنها تعيش حياة
مثالية، بل لأن هذا المشهد البسيط أيقظ سؤالًا قديمًا: لماذا يبدو بعض الناس أكثر
انسجامًا مع حياتهم، بينما يقضي الآخرون سنوات طويلة يحاولون فهم ما الذي يريدونه
أصلًا؟
لكن السؤال الذي بقي عالقًا في ذهني كان أبسط
من ذلك كله: هل نعرف أنفسنا حقًا؟
هل تتذكر أحلام طفولتك؟ هل تتذكر ما كنت تتوق
إلى امتلاكه، وما كنت تُلحّ في طلبه؟ وهل تتذكر أنك كنت تنظر إلى الحياة بثقة
بريئة، وتظن أنك تعرف جيدًا ما تريد؟
ستتذكر ذلك كله، لكنك لن تتذكر متى بدأت تسخر
من رغباتك، ولا متى صرت تسميها "أمنيات". ولن تتذكر متى بدأت تعيش حياةً
مزدوجة؛ تفكر في المجازفات التي لم تجرؤ عليها، والفرص التي تركتها تمر، والحماقات
التي امتنعت عن ارتكابها، والحياة التي اخترت ألا تعيشها.
ستعرف أنك غاضب، أو حزين، أو ربما محبط، لكنك
غالبًا لن تعرف على وجه الدقة ما الذي أوصلك إلى هذه الحال. أليس غياب ما تحتاجه
هو السبب؟
لكن... هل تعرف أصلًا ما الذي تحتاجه؟
ربما هنا تبدأ المعضلة. نضغط على أنفسنا
باستمرار، ونحمّلها ما لا تطيق، لأننا ربطنا قيمتها بأشياء لم نحددها تحديدًا
واضحًا؛ نطارد أهدافًا لا نعرف ملامحها، ثم نلوم أنفسنا لأننا لم نصل إليها. حتى
صار "تحقيق الذات" عند كثيرين مشروعًا لا ينتهي، لأن صاحبه يركض نحو
غايةٍ لم يتخيل وجهها قط.
وفي الوقت نفسه، يبقى في أعماقنا شعورٌ مؤلم
بأن حياةً أخرى كانت ممكنة، وفرصًا أخرى كانت متاحة، لكننا لم نعرف أننا لم نراها
إلا بعد أن تجاوزتنا.
ولعل هذا ما جعلني أتذكر أبيات سفر الدغيلبي، الذي
يصف هذا الشعور وصفًا لا يحتاج إلى شرح:
"ليت كسر الذات يبرا بالجبارة والكتايف
كان أبا أحاول وأضبّه بالكتايف والجبارة
فرصتن تاحت وراحت مير يالله بالخلايف
يا وجود اللي قعد يصفق يمينه في يساره"
نحن كائنات مدفوعة بالرغبات، بل محمومون بها.
وحتى الزاهد لا يتخلص منها، وإنما يمنحها أسماءً مختلفة. ولعلك تذكر رواية
"الخيميائي" لباولو كويلو، وقصة بائع البلور المغربي الذي قابله
سانتياغو. كان يتحدث دائمًا عن رغبته في الحج، لكنه لم يذهب قط، وكان يبرر ذلك بأن
هذه الرغبة نفسها هي ما يبقيه حيًا، وأن هذا الأمل هو ما يمنحه سببًا ليستيقظ كل
صباح. ظل يؤجل الرحلة عامًا بعد عام، حتى أصبحت الرغبة أجمل لديه من تحقيقها.
فكلما استعصى علينا شيء، ازداد حضوره في
وعينا، وتضخّم حتى يصبح أكبر من حجمه الحقيقي. لكن المفارقة أن المشكلة ليست في
أننا لا ننال كل ما نريد، بل في أننا لا نتوقف لنسأل: لماذا نريده أصلًا؟
نحن، في الغالب، نحمل وهمًا خفيًا بأننا نستحق
حياةً أفضل، وصحةً أوفر، وأعمارًا أطول، مع أن الواقع لا يميز أحدًا. والحقيقة
الوحيدة التي لا تتغير أننا خُلقنا في كبد، وأن الإنسان في خسر، وأنه في الحياة لا
يُمنح أحدًا ضمانات ومزايا خاصة.
لم يصل أحد إلى غايته وفق خطةٍ محكمة كما
رسمها في ذهنه. فالحياة أكثر عشوائية مما نعترف، وأكثر قدرة على مفاجأتنا مما
نتوقع. وقليل جدًا من ينتبه إلى الأحداث الصغيرة التي تغيّر مصيره، بينما يختار
كثيرون الوقوف عند الطرق المسدودة، يندبون ما ضاع، بدلًا من الالتفات إلى ما بقي.
ولعل أبلغ ما يصور هذا المعنى قول الله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ
سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ
صُنْعًا﴾. ويتكرر في القرآن كثيرًا التنبيه إلى ضرورة مراجعة الطريق، لا الاكتفاء
بالإخلاص في السير فيه.
فالإنسان يفضّل أن يحارب الأشياء على أن يسمح
لها بأن تغيّره، ويفضل الألم على أن يعيد النظر في إرادته. ومن أكبر المآسي أن يظن
أن قوة الإرادة وحدها كافية لجعل كل شيء ممكنًا، ثم يكتشف، بعد سلسلة طويلة من
الصدمات، أن الحكمة ليست في أن تنتصر على الحياة، بل في أن تفهمها.
ومع ذلك، ثمة خبران جيدان.
الأول: يُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قوله: "قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان، والفرصة تمر مر السحاب،
فانتهزوا فرص الخير." والمعنى ألا تدع
التردد يحرمك مما تستطيع بلوغه، ولا تؤجل ما تستطيع الإقدام عليه اليوم.
أما الثاني، فهو أن تتصالح مع إحباطاتك
الصغيرة. فالإحباط ليس نقيض السعادة، بل أحد شروطها. ومن لم يعرف الحرمان، لن يعرف
معنى الإشباع، وربما كانت حدود إحباطاتك هي نفسها حدود قدرتك على الشعور بالرضا.
وربما، في نهاية المطاف، لا يكون السؤال الأهم
هو: لماذا لم أحصل على ما أردت؟
بل: هل كنت أعرف حقًا ما الذي أريده؟
هذا كل شيء ...
ملاحظة بسيطة: للأصدقاء الذين يعتبون على الأسلوب، هذه تدوينات وليس مقالات أو محررات علمية، استعراض أفكار للتفكير .. لا أكثر.

أظن أن هذا أكثر ما يؤلم في الحياه ، ان الانسان كلما اعتقد أنه رتب حياته ، وفهم كل شي حوله وحفظ الطريق اللي يمشي فيه جاءت الأقدار وغيرت المشهد كاملاً !
ردحذفأنا أفهم ان الحياه متغيره غير ثابته ، لكن كيف نعيش وأحنا نحمل في داخلنا سؤال دائم
(وبعدين ) ؟! وش الخطه الجايه ؟!
العوده الى الطريق مره أخرى صعبه ، لأنك في الغالب مضطر الى المشي في طريق جديد بأشخاص جدد ، وهنا يأتي الشعور الأصعب
( شعور العوده إلى نقطة الصفر ) !
ومع ذلك أحنا مو الأشخاص أنفسهم ، ( الشخص الذي بدأ الطريق يختلف تماماً عن الشخص الذي وصل إلى آخره ثم اكتشف أنه وصل وحيداً بدون رفيق رحلته )
يبقى السعي والبحث والأنطلاق في هذه الدنيا واجب على كل صاحب عقل وأراده ، لكنه التردد والخوف وشيء من قلق ( محبطات ) لكل خطوه .
تدوينتك استاذ علي ، مرهقه بالنسبه لي جداً !
لا نملك إلا مسايرة الأيام بـ "اللي هي به!"
حذفجميل النص والفكرة، لمحت روح تشات جيبيتي في بعض الأجزاء. اتمنى ان ان تتجنب ذلك بقدر استطاعتك فأنت لا تحتاجه حقا
ردحذف