هل الأمر يستحق؟
مؤخرًا انشغلتُ بحضور الأعراس والاستجابة للدعوات، وفي الوقت ذاته كنتُ أراقب الأشياء من حولي من طرفٍ خفيّ. لا أحب أن أُعلن أحكامي ما دام الأمر لا يتجاوز حدودي، وأستمتع حقًا بمراقبة الطريقة التي تسير بها الحياة.
لم أكن هكذا حتى قبل قرابة العامين، حين
تعرّفت على أنماط المواهب البشرية، فبتُّ أتقبّل ذاتي والآخرين بسماحية أكبر. صحيح
أن ذلك لم يُلغِ الحسّ الحانق والناقد الذي يلازمني، لكنني، وعلى نحوٍ أفضل، صرت
أفهم الآخرين وأتقبّل دوافع سلوكهم اللاواعية.
عند مستوى الدوافع، لا أجد في الآخرين ما
يستحق الانتباه من مشكلات. لكن هنالك هوّة تتسع بين الواقع والمألوف، هوّة تستحق
التوقف عندها.
هنالك حالة قسرية يمارسها الأفراد على ذواتهم
للتعريف بها، ولفرضها، بل ولتصوّرها ومعرفتها. هنالك شذوذ غريب في طريقة تقديم
الناس لأنفسهم، ولو نظرتَ إلى داخلك، لوجدتَ فيك هذه النزعة المريبة والمتناقضة
لتقديم الذات. سابقًا كانت الجدارة تتحدث عن نفسها، وكانت الملكات والهبات الشخصية
تُثبت ذاتها في المواقف. أما الآن فالجميع يحاول أن يُثبت لنفسه ما ليس لديه.
وحتى حين يملك الإنسان شيئًا ما، فإنه يقدّمه
بطريقة صادمة، لا تقلل من قدره فحسب بل قد تهينه، والمعضلة أنه لا يكون على وعيٍ
تام بحقيقته في العالم. ولا شيء أشد انحطاطًا من أخلاقٍ لا يُبقيها على قيد الحياة
سوى الضغط الاجتماعي؛ أعني أخلاقًا مريبة يمارسها الآخرون دون أن يجدوا من
ينتقدها، لأنها باتت أقرب إلى ممارسة اجتماعية يفعلها الجميع.
كان هنالك مبدأ ساخر يقول: "انفخ ذاتك
حتى ينتفخ وضعك!". والعجيب أن هذا المبدأ الساخر انتقل من ساحة التهكم حتى
صار واقعًا معاشًا. كأن البشرية عادت إلى العصر الباروكي، حيث تصير كل الصور
والتصورات عن الأشياء زائفة، وتُبتذل الصور جميعها لأجل تضخيم الصورة الإيجابية
المبتذلة عنها.
صار معنى الوجود مشتقًا من قيمة الأشياء، فقد جفّت
منابع المعنى الداخلية للإنسان. ولم يعد يملك سلطة نفسه تحت وقع هذا القرع المدوّي
للأشياء والاهتمامات الخارجية، ولم يعد يملك الأساس الصلب الذي يقف عليه ليواجه
هذا الموج المتلاطم من المعاني الزائفة التي يشعر بأنه مطالب بأن يتمثلها.
معايير الأدب والذوق والعرف صارت في غاية
التمزق، وثمة تضخم هش في قيمة منظومات أخلاقية تَعِدُ بقدرتها على منح الإنسان ما
يرغب فيه: أن يعيش بلذة، أو يتجنب الألم، أو يمتلك القدرة على التنبؤ والسيطرة على
مسار حياته.
ليست صور البورتريه، ولا فلاتر السناب شات،
ولا قصائد الشيلات ذات الإيقاع المرتفع التي باتت تشبه الـ"ريمكس"، سوى
قشرة خارجية لتمظهرات هذه الظاهرة العجيبة التي أصابت العالم. كأنها تقول:
"هذا أنا، ويجب عليك أن تنظر إليّ هكذا، وإن لم تفعل، فستؤمن أخيرًا أني
كذلك، لأني سأبذل أقصى جهدي لتكريس هذه الصورة وجعل الجميع يؤمن بها!"
الجميع يعي الذات العارية، لكنه يختار أن
يسترها بالأوهام، ويتفانى في إقناع ذاته والآخرين بالصورة الزائفة عن نفسه.
تستطيع أن ترصد هذه الظاهرة حين ترى الآخر
يبذل جهدًا للفت انتباهك إليه. فببساطة، قد تكون محاولة ترسيخ فكرة أو صورة أو
انطباع محاولة لستر فراغٍ من نوعٍ ما. حين يخادع الإنسان ذاته، فهو لا يكذب من أجل
الكذب فحسب، ولا يتظاهر من أجل المظهر وحده، بل هو، بطريقةٍ ما، قد يحاول إخفاء
شعوره بالمهانة أو النقص أو استحقاره لذاته، مهما بدا حجم الثقة والجرأة التي
يتصرف بها.
إن كان هنالك صراع يسحل الروح البشرية في هذا
العصر، فهو بالتأكيد صراع تأكيد الذات؛ الصراع المتمحور حول حضور الذات أمام
نفسها، والشتات بين إدراكها لنفسها وإدراكها لحقيقتها. الذات أشبه بالقشرة
الأرضية؛ تبدو صلبة، بينما تضطرب في أعماقها قوى لا تهدأ. وثمة حقائق يجهلها
الإنسان، وينفر منها، ويكرهها، ويرفض الاعتراف بها، وهذه الحقائق هي ما يصنع آلاف
الوجوه المتغيرة للذات.
هنالك حقائق التاريخ الشخصي، والخبرات،
والمعارف، والنزعات، والأهواء، والشهوات. وكل ما يمكن أن يحدث للإنسان يمكن أن
يكون، بطريقةٍ ما، حقيقةً مؤثرة في تعريفه لنفسه ولغيره.
أما دور الآخر الذي يرى ويشعر، فهنالك فئة
تستطيع أن ترى وتميّز الفرق بين المظهر والجوهر، وترى الدوافع فتميّز السلوك؛
وهنالك فئة يتوقف نضجها الفكري عند الحد الذي تنخدع فيه بالمظهر، فلا تميّز جوهر
ما أمامها وكنهه. أما المرحلة الأسمى فهي التفكير في الشيء على حقيقته ونقيضه
معًا، أو بمعنى أدق، رؤية الأشياء بطريقة جدلية.
عمومًا وبطريقة أو بأخرى، لن يملك الإنسان
القدرة على الإحاطة التامة بذاته لعجزه أن يفهم بشكل مُطلق الدوافع التي تتنازعها.
كما أن نقد الواقع من منظور واحد لا يكفيه. الواقع أكبر من الجميع، وبطريقة أو
بأخرى سينجم ويتسق على طريقة تصلح للجميع، لكن بشرط أن يعي الجميع أنه لا شيء صائب
على نحو مطلق، ولا شيء خاطئ كذلك على نحو مُطلق!
هذا كل شيء...

:هاذا طبع الأنسان منذ الأزل . حيث نجد من يرثي للفت الأنتباة ونجد من يمدح ايضا للفت الأنتباة النتيجة واحدة لاكن الخطوات مختلفة . هي ضاهرة لا محدودة تزداد مع الزمن .
ردحذف