كيف تتعامل مع يوم ميلادك؟

 


لا أحفل بالتاريخ، لكني ملاحظ جيد لمرور الوقت، وأعرف أن فعله بسيط مقارنةً بكل ما يأتي به. السكة هي السكة، والاختلاف في التضاريس التي نعبر بها. يصادف غدًا يوم ميلادي، وأجدني أفكر فيما قاله مونتين في مقالاته عن سبب بكاء الرضيع: إنها لحظة الانكشاف والخروج نحو عالم مجهول، فكلما لمسنا فيه وجهًا للحقيقة، أرانا وجهًا آخر نجهله.

 

أنا رجل مصاب بقلق مفرط، طوّرته في مراحل مبكرة، وربما ورثته. خرجت إلى الدنيا في فترة عصيبة تعصف بالعالم، ونشأت في فترة أكثر توترًا. أتذكر الصحف والمجلات والصور التي تنقل أخبار الفوضى والخراب في كل مكان. لم أكن أقرأ حينها، ولم أتعلم القراءة بعد، لكني كنت أطالع الصور وأرى الخراب دون أن أعي معناه!

 

ومما أسهم في صقل خبرتي بالقلق مهنتي وتخصصي العلمي الدقيق. تخيّل أنك طوال دراستك الجامعية مطالب بأن تفتتح إجابتك بكلمة Solution، ويكون مصيرك مرهونًا بسلامة الحل الذي تقدمه. كانت المعادلات التي نحلها تمتد بين ثلاث وعشر صفحات وربما تزيد، ونتعامل فيها مع شيء غامض لا يمكن تصوره. لكني نجحت بطريقة أو بأخرى، ثم نسيت المعادلات حتى لم أعد أتذكر منها شيئًا.

 

حين توظفت، كنت أدير فريقًا من الفنيين ضخام البنية، ممن يتعاملون مع الصناعات الثقيلة. كنت نحيلًا أحمل همومي الخاصة، وكان أولئك الرجال يتوافدون إلى مكتبي وعلى ملامحهم الهلع، وأول كلمة أسمعها منهم هي "مشكلة". كانت الكلمة تردني طيلة اليوم، وكان عليّ أن أعدّ سجل المشكلات وأوثّق الحلول. ولم تكن المشكلات هندسية فحسب، فقد كان عليّ أن أنصت إلى همومهم الشخصية وأمارس دور الأخصائي النفسي، وأن أقارب ما يردني منهم فلسفيًا، حتى لا يعودوا إليّ بالحديث نفسه والشكوى نفسها.

 

بعد كل هذه الخبرة مع القلق، يمكنني التأكيد أن المشكلات، مهما بدت جسيمة في لحظتها، ستبدو تافهة بعد مضي الزمن. لا يعني ذلك أنها لم تكن تستحق الاهتمام حين وقعت، بل إن الزمن يغيّر أحجام الأشياء في أعيننا، ويمنحنا مسافة لم تكن متاحة لنا ونحن في قلبها. علينا أحيانًا أن نترك الوقت يفعل فعله بالأشياء، وألا نستنزف أعمارنا في محاولة استعجال ما لا ينضج إلا بمروره.

 

ومن أثر ذلك كله، صار عقلي يتجاوز حفظ البراهين ويكتفي بحفظ المفاهيم. أمرّ بكتب وأفلام كثيرة، ولا أتذكر أني عبرت بها، لكني أتعرف على خطي في الهوامش، وأجد أحيانًا في مذكراتي تعليقات كتبتها عن الأشياء. أستطيع المقارنة بين الأشياء قبلًا وبعدًا دون أن أستحضر الصورة السابقة، وألمس الخطأ وما يخرج عن بنية السياق من أول نظرة، وأستذكر البرهان متى اقتضت الحاجة. وبحسب تقديرات جهازي العصبي، الذي يعرف مصلحتي أكثر مني، أنا لا أتذكر ما أريد تذكره، بل أنشغل بالتفكير فيما تنتقيه لي بديهتي من متحف الذاكرة.

 

وبما أن غدًا يوم ميلادي، أستطيع أن أؤكد لنفسي أن أخذ الأمور بمنتهى الجدية هو منتهى النحس. تعلمت هذا الدرس من هنري ميلر: لا شيء يستحق أن يؤخذ على محمل الجد. وبعد كل هذه السنين، صرت أخرج من عملي باكرًا دون تفانٍ مفرط، وإذا انتهى وقتي، انتهيت معه، وإذا نمت، أغلقت هاتفي. لم أعد ذلك الشاب الذي يُبقي هاتفه مفتوحًا ليعطي التعليمات في الثالثة فجرًا، حتى لا تتوقف دورة الإنتاج.

 

صرت أفر من الصور القديمة، ولا أحب سماع مشكلات الآخرين، وأنفر من التراجيديا، ولم أعد أجامل. وبحثت جيدًا في تاريخ أسلافي في أواخر حيواتهم لأحاكي أسلوبهم في التعامل مع الحياة، لأني سأقارب الواقع، بطريقة أو بأخرى، بنهج التفكير نفسه، وعليّ أن أجرّب آخر الحلول التي أجْدَت معهم.

 

المبهج بعد كل هذه السنين أن الذي أنجاني مما عرفت هو سعيي نحو المعرفة. في التأمل متعة متجاوزة: تأمل الأشياء المعروفة لي، التي يمكن أن تكون بديهية. لم أعد أهتم بمباحث جديدة في حقول المعرفة المختلفة، ففيزياء الكون لا تزال كما هي، وكذلك الكيمياء وعلم النفس والعقيدة والتفسير والحديث والفلسفة. التحدي هو التأكد من حيازتي الأفضل في كل حقل ومراجعته بين الفينة والأخرى.

 

وما يتبقى من البهجة هو الفن والأدب، تلك الطريقة التي يتفاعل بها الإنسان مع وجوده، وكذلك البحث عن الأصالة الإبداعية، والسماح للنفس بالدهشة.

 

أخيرًا: ربما أصابتني أزمة منتصف العمر مبكرًا، لأني أعرف إجابة سؤال "لماذا؟" الذي كان يقحم نفسه محققًا متطفلًا يبحث عن جدوى الأشياء. أعرف تمامًا كيف سأواجه نفسي لو بلغت الثمانين أو التسعين وحيدًا، وليس حولي شيء مما أحب. وثمرة معرفتي الآن أني أعرف جيدًا ما يبهجني، وأستطيع دائمًا لمس المعنى، فإن عزّ، أستطيع التسامح مع غموضه.

 

هذا كل شيء ...


تعليقات

  1. العمر كلّه، جعل الله قادم أيامك خير من ماضيها وبارك لك في علمك وعملك وعمرك وأهلك.

    ردحذف

إرسال تعليق

التعليق:

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إمساك/إفلات!

كل شيء ممكن... لكن ليس كما تتوقع!

مالا يقوله لك المثقفون عن حقيقة الثقافة!

من لم يزاحم بإرادته… أضرّ بسكونه!

انكشاف الفراغ: نيتشه وإرادة القوة وسؤال المعنى!